ثنائيات – محمود عمر خيتي

1 يناير, 2014
الوسوم :

khaity

في تاريخ العرب قبل الإسلام ثنائيات لافتة؛ منها ثنائيات الحق والباطل؛ والحب والواجب؛ والقوة والضعف؛ والغلبة والتسامح؛ والحلم والجهل؛ والحرية والانقياد؛ والسيادة والتبعية؛ والإخلاص والغدر؛ والوصل والهجر… إلى غير ذلك مما تجد في حيواتهم من متناقضات لا حصر لها.
والناظر في هذه وتلك من الصور التي تحمل لونين لا ثالث لهما؛ وهما الأبيض والأسود؛ يقف سريعًا على حقيقة الفصل بين أمرين أحدهما مطلوب إلى حد القتال في سبيله؛ والآخر مرفوض منبوذ إلى حد مناجزته بكل سلاح ممكن.

إن مطلب الحسم والفصل في طبيعة الأشياء دليل على نقاء السريرة وخلوصها من شائبة التلون وشائنة النفاق. ومما لا جدال فيه ولا مشاحة أن العرب في “تاريخهم البعيد” قد اتفقوا اتفاقًا غير معلن ولا مكتوب على الاحتكام إلى محامد الأخلاق ومكارمها، وجعلوا مجموعة الأخلاق دستورًا لا ينبغي لأحد تجاوزه، بل أزعم أن المخالف عندهم هو من مال ولو ميلةً قليلة؛ وحاد ولو حيدةً ضئيلة عن واحد من أخلاق العرب. فلا تمييع للمصطلحات ولا تأويل في الكلمات كحال الناس اليوم، وليس عند العرب مثلاً معنى للكرم والجود والسخاء والبذل والعطاء إلا الكرم بشقيه المعنوي والمادي، على الرغم من تعدد المترادفات كما نرى. وقل مثل هذا في خلق الشجاعة والإقدام، أو في خلق النجدة وإغاثة الملهوف، أو في العفة والستر، أو الحلم والروية، أو الإيثار والفداء… وهكذا مما اتفقت عليه العرب من حيث المعاني والدلالات، واحتكمت إليه من غير مواربة أو مخاتلة. وهذا ما هيّأ الأرض الخصبة التي سينبت فيها دين الله الإسلام ويؤتي أكله مع جيل آمن وأخلص وضحى؛ في مقابل قوم وقفوا ضده بكل قسوة وشدة. ولا أدل على ذلك من نبذ الدين والمجتمع على السواء لفئة المنافقين المتلونين بنصف الأبيض ونصف الأسود.

ورُبَّ سائل يسأل عن أصل هذه الاتفاقات في حسم معاني الأخلاق والطبائع؛ فأقول إن طبيعة البادية والصحراء وصفاء البيئة خليقة بأن ينشأ في ظلها ما نشأ من التطامن على المعنى الواحد للخلق الواحد. والجواب عن هذه المسألة – من حيث التحليلُ الديمغرافيُّ والنفسيُّ والاجتماعيُّ – طويلٌ متشعب وله علماؤه وباحثوه الذين نحترم آراءهم. بيد أنني أسأل السائل نفسه عن حال العرب في هذا العصر واختلافهم في طبائع الأشياء؛ أذلك مَرَدُّه إلى البيئة الجديدة التي نعيش؛ أم إلى عواصف عصفت بهم من كل صوب؟
***

تعليقات الفيسبوك