إطلالات نقدية على تجربة الشاعر المبدع محمد ناصر شيخ

29 يوليو, 2017
الوسوم :
20427877_658111434386896_1811248806_n
على الرغم من سعة مسالك الشعر ..وبسطة فجاجه .يجد الشاعر ضيقا وعنتا كأنما إن رام أن يواطئ نصا مشهورا .بلغ به صاحبه الغاية في الفن وصار حديثا تسير به الركبان .
.في مثل هذه المواطن ينماز الشعراﺀ .ويظهر معدن الشعر ..و لنا في المعارضات خير مثل ..فما أكثر ما عورضت بردة البوصيري …ولم يسلم منها من يد الإهمال سوى نصوص قليلة ..لعل أبرزها نص الأمير شوقي …
على أن شاعرنا محمد ناصر قد عارض نصين اثنين النص الاصلي لأبي تمام .والنص المعارض للبردوني ..والنصان كلاهما من الشعر العالي ..الذي لايدانى ..فكيف انساب شاعرنا بين هاتين الدوامتين ..وأنشأ نصا أقل مايقال فيه إنه من النصوص المحكمة العالية …ونسج لنا بردة شعرية حق له أن يفخر بها ويدل ..فماذا صنع محمد ? …وطأ محمد لنصه بعنوان يمنح القارئ تراسلا فكريا متصلا ..مشدودا ينتظم فيه النصين السابقين ..فالنص السابق ..أبو تمام وعروبة اليوم ..يشد نص أبي تمام ويستحضره موازنة وشكوى ..ويشد محمد نص البردوني فيستدعي معه النصين على طريقة رواية صاحب الأغاني لقول عائشة رضي الله عنها ..رحم الله لبيدا إذ قال ..
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كمثل الأجرب .
لو أنه عاش الى زمننا هذا ما تراه قائلا ?
..ثم تنداح الرواية.. ….على أن حديثي هنا مقتصر على.و اللغة الفن..حسب
أول ما استوفقني في النص الرنة العذبة للمطلع
بح لي بما شئت لا لوم ولا عتب .
..اذ لولا العنوان لذهبت الى بائية ذي الرمة غيلان الذائعة ..
ما بال عينك منها الماﺀ ينسكب
كانه من كلى مفرية سرب ..
و أنا أعي جيدا السبيلين المختلفين للنصين ….
في المفتتح يطالعنا ..الإنشاﺀ ..بح لي …وعند أبي تمام …إخبار تقريري …السيف أصدق إنباﺀ…
وعند البردوني إنشاﺀ غير طلبي .(تعجب).يقع منزلة بين المنزلتين
ما أصدق السيف إن لم ينضه الكذب …إذن الانتقال من الإخبار في النص الأصل ..الى الإنشاﺀ الوسطي في المعارضة الى الإنشاﺀ المحض عند صاحبنا محمد —.هو انتقال تراكمي من الفرح الى الغضب ..الى الهم والحزن ..يقذف بنا في لجج متلاطمة ولكنها تجعل النصوص الثلاثة نصا واحدا ينتظمها جميعا خيط زمني متغير ..نحن امام معادلة منطقية. يتجاور فيها الثابت والمتحول ..الفن / الزمن …
 
في حيز قصير مثل هذا ماذا عساي أن أقول ودوائر الفن تنداح أمامي .. سأكتفي بالوقوف عند ملمح تركيبي واحد لك ان تسميه بالفجوة اللغوية. أو القفزة التركيبية في مواضع تشي بعلو كعب الشاعر ومكنة الصياغة الشعرية عنده
.الموضع الأول في قوله
….
دأب الذين أضاعوا مجدهم وغدوا ..
يستعطفون المنى وصلا فتحتجب …
….
.هنا فجوة لغوية لايردمها الا شاعر حاذق مجيد ….دأب ..مصدر ..منبت عن فعله ولك في التقدير مذاهب يعرفها المشتغلون بالنحو .. … المصدر هنا ينبئ عن الفعل ويدل على المشابه …على نحو قول أبي الطيب ..
رماه الكناني والعامري
وتلاه للوجه فعل العرب ..فاستغنى بالمصدر فعل عن الفعل دالا على التشبيه ..هذا الاجتزاﺀ او القفزة اللغوية ..يلتذ به القارئ معنى وانشادا
الموضع الآخر ..
كل الرماح بصدري تستفز دمي ..
وأين قومي أقاموا اليوم أم ذهبوا …
اقاموا اليوم ….الفجوة اللغوية تردمها أم ..لتتبئ عن استفهام مقدر …و أصل الكلام ..
أأقاموا اليوم أم ذهبوا …و هذه من المواطن القليلة التي يباح فيها حذف الاستفهام اكتفاﺀ بدلالة ( أم ) عليه ….
كقول ابن ابي ربيعة
لعمرك ما أدري و إن كنت داريا
بسبع رمين الجمر أم بثمان ….
لذلك …قول الشاعر في البيت الأخير ….
عروبة اليوم هل مازلت تنشدها ..
أم شاقك النوم أعيا قلبك التعب …
أم هنا منقطعة وليست متصلة كالأولى ..لأنها وقعت جوابا لهل ..وليس للهمزة …فتكون بمعنى بل الاستدراكية …على نحو ماتقرره أجروميات النحو …واظن ظنا أن الاستدراك هنا أدخل في سنخ المعنى ..اذ لا معنى للاستفهام المتصل ..وقد تقرر النوم والتعب في الذهن في الأقل ..فالمقام مقام تقرير لا سؤال ..على,نحو قول ابي حرزة ..
أتصحو أم فؤادك غير صاح ….في النص المشهور …
ومازالت غيمات محمد ناصر مثقلة بالجمال .استدعاﺀ ورموزا .وتوضيفا .وتماهيا …
 
د. سعيد العوادي ….

تعليقات الفيسبوك