محمد البياسي يمتلك ألف قلب في “يا شام”

4 يناير, 2017
الوسوم :

%d9%8a%d8%a7-%d8%b4%d8%a7%d9%85

صفاء لغوي وإيقاعات شعرية شجية

محمد البياسي يمتلك ألف قلب في “يا شام”

المصدر : (الشارقة – محمد ولد محمد سالم)

تعيدنا قصائد مجموعة يا شام للشاعر السوري محمد البياسي إلى زمن اعتبرنا فيه الشعر الديوان الأساس للعرب، فالديوان الصادر مؤخراً عن دار الجزيرة الثقافية يضم 25 قصيدة تكاد تكون كلها في الحب، ونطالعه وكأننا نقرأ في دواوين شعراء الطبع والغزل الكبار من أمثال عمر بن أبي ربيعة والبحتري وأبي نواس وأحمد شوقي ونزار قباني وغيرهم الذين تتردد أصداء لغتهم الصافية وإيقاعهم الشجي وصورهم البهية في ثنايا هذا الديوان، وليس البياسي مقلداً ينسج على منوال ما كتبوه من قصائد، بل هو متمرس خبر شعر أولئك الأفذاذ، وهضم أساليبهم في القول، وذهب يبحث عن طريقته الخاصة، التي لا تستعيد أحداً غيره، ولا تحاكي سوى نفسه التي يأسرها الجمال، وتبذل شعرها لكل مُلْهِمَة، يقول معتذراً لحبيبته: (أنا . ./ لك باختصار/ غير أني/ بذلت لكل ملهمة . ./ يراعي) .

هذا البذل الشاعري هو أحد مفاتيح نفسية البياسي وهو أيضاً أحد مفاتيح شعره، إذ يدل على أنه شاعر مطبوع بالمصطلح النقدي القديم، الذي يعني أن الشعر يأتيه غلبة وعفو الخاطر حين تهتز مشاعره لأي موقف، فتتراقص على لسانه الكلمات والأوصاف، ويتحدد الطبع فنياً في ميزات عدة منها صفاء اللغة وقرب مأخذها فتعبر عن الوجدان والمشاعر الأصيلة القريبة التي تتبادر إلى الذهن، ولا تسعف اللغة في هذه الحالة إلا من ملك ناصيتها، واختزل دلالتها، فيستطيع أن يطوعها بتلقائية، من غير تكلف ومن دون إسفاف أو تعقيد، ولغة البياسي من ذلك المعدن الصافي، أصيلة لم تفسدها العامية ولم تُغْرِب بها الجاهلية:

مـا دمـتِ تـحترفين أسـر مـواجعي
وتــطــارديـن فــلـولـهـا الـمـتـفـرقةْ

فـــإذًا سـيـغـلَق دون قـلـبي بـابـُه
وتـضـيق بــي يــا شـهرزادُ الأروقـةْ

مـــلأ الـغـبار هـنـا صــدور نـوافـذي
لا تـفـتحي شـيـئاً وروحــك مـغلقةْ

وعـلـى الـرفـوف رسـائـلي مـرمـية
وقــديــمــةٌ أثــوابـُـهــا ومــمــزقــةْ

مـــا عــدتُ أنـتـظر الـجـواب لأنـهـا
أكلت هشيميَ من جفاك المِحرقةْ

من ميزات الطبع أيضاً القدرة على خلق الإيقاع الغنائي بجميع تجلياته: سواء على مستوى الوزن الخليلي قديما والتفعيلة حدثيا، أو على مستوى الإيقاع الظاهري (الجرس الموسيقي) المتمثل في التوازنات التي تحدث بين الحروف والكلمات والجمل، ومن خلال تنويع الأساليب بالانتقال السريع بين النفي والتقرير والاستفهام والاعتراض والحال والتأكيد والشرط وغير ذلك، ما ينشأ عنه الإطراب الذي هو أحد معايير الجودة الشعرية، وللتنويع الأسلوبي خاصة ميزة معنوية حيث يكسر أفق التوقع لدى المتلقي ويحفز ذهنه للتفكير، ويضفي على النص حيوية، ومن أمثلة هذا التنويع لدى البياسي قوله في قصيدة يا شام التي عنون بها الديوان:

ما عاد يعنيني، وقد حَكَمَ الهوى
أنـي أحـبّكِ، مـا هـي الأسـباب

مَــنْ بـاتَ نـشواناً فـليس يـهمهُ
مِــنْ أي كَــرْمٍ تُـجْمَعُ الأعـنابُ؟

مَـنْ لـي سواكِ أحبها وتحبني؟
مــا بـين قـلبينا، فُـديتِ، حِـجابُ

مـنـذ افـتـرقنا والـظـنونُ وسـادةٌ
والــنـائـبـات حــمــائـلٌ وركــــابُ

كذلك من صفات الشاعر المطبوع القدرة على اختراع الصورة الشعرية المميزة، فشعراء الطبع لا يطاردون الصور، ولا يتعسفونها، وإنما يسترسلون بسلاسة في كلامهم حتى إذا سنحت الصورة الجميلة وانبلجت في أذهانهم أذاعوها لساميعهم، وفي قصائد البياسي دائماً ما نعثر على تلك اللقطات التصويرية الرائعة بين ثنايا النص، مثال ذلك تصويره البديع لوضوح إحساسه في قصيدة باختصار: (بليت بشاعر/ ذي ألف قلب/ طويل عباءة/ وطويل باع/ له حس كوجه الشمس صيفا/ يرى من غير ستر أو قناع) .

لا يمكن ترك ديوان يا شام من دون التوقف عند قوة البصيرة الشعرية التي ترتفع بالحدث العاطفي من مجاله الذاتي الضيق إلى مجال إنساني أرحب، وتستل من المواقف الخاصة بعداً كلياً عاماً، فهو حين يلوم حبيبته على صدودها، يرتفع بذلك الموقف إلى إنساني عام متعلق بقوة الإرادة البشرية وقدرتها على الصمود والمقاومة حتى النهاية:

أدمـنتُ حـبَّك فـاشتدي عـلى وجـعي
ما الحب؟ إن لم يكن في الحب إدمانُ

ما ذا ترومين من صلبي على خشبٍ؟
ولـيـس تــردع مـا فـي الـقلب صـلبانُ

وهـــل تُـــراوَد نـفـسٌ عــن سـريـرتها
إذا تــمـلّـك أمــــرَ الــنـفـس إيــمـانُ؟

 

المقالة موجودة في صحيفة الخليج على الرابط :

http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/892d88e1-9a87-4828-bb2f-fee3e5f37c0e

تعليقات الفيسبوك