د. صلاح جرار – متى يكون الشعر سهلاً ممتنعاً

متى يكون الشعر سهْلاً ممتنعاً

أ. د. صلاح جرّار

“وزير الثقافة الأردنية السابق”

 %d8%af-%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%ac%d8%b1%d8%a7%d8%b1

قد يقرأ الواحد منّا قصيدةً فيجدها تلتزم بالوزن الشعريّ الذي أقيمت عليه أو تفعيلة البحر الذي بنيت عليه، ولا تشوبها شائبةٌ لغوية واحدةٌ، لا نحوًا ولا صرفًا ولا إملاءً ولا دلالة، ويجدها لا تخلو من معنى جديد أو طريف أو مولّد، إلّا أنّ نفسك قد تعافها ولا تستسيغها، ولا تجد لديك رغبة في إعادة قراءتها أو استعادة أبياتٍ منها أو حفظ أيّ من أبياتها، وربما ينتابك هذا الشعور إزاءها من أبياتها الأولى. فما الذي يجعل القارئ أحيانـًا يشعر بهذا الشعور ما دامت القصيدة تامّة من جهات الوزن والقافية واللغة والفكرة والبناء والعاطفة؟! وما الذي كان على الشاعر أن يراعيه وهو يكتب قصيدته غير تلك التي ذكرها النقاد القدماء في تعريفهم للشعر؟!

 

وفي مقابل ذلك قد يقرأ الواحد منّا قصيدة تلتزم بشروط الوزن والقافية والبناء والمعنى والعاطفة واللغة فتثير دهشته، ويشعر كأنّ نفسه تحثّه على أن يعيد قراءتها ثانية وثالثة، ثمّ لا يفتأ أن يحفظها أو يحفظ بعض أبياتها ويترنّم بها وينشدُها أصدقاءَه، ثمّ يصفها بأنّها من السهل الممتنع، وهو مصطلح شاع على ألسنة النقّاد وغير النقّاد وعلى ألسنة الشعراء وغير الشعراء ممّن يستهويهم الشعر.

فما الذي يجعل من قصيدة جذّابة للقرَّاء وقصيدة أخرى منفّرة لهم، رغم التزام كلتيهما بشروط بناء القصيدة ونظمها من وزن وقافية ولغة وفكرة وعاطفة وبناء؟ بل ربّما تكون القصيدة التي نالت إعجاب القرَّاء أقلّ احتفاءً بالمفردات اللغوية والصور الشعرية والفكرة المبتكرة من القصيدة التي لم تحظ بإعجاب القرَّاء، فما السرُّ في ذلك؟! وما هي شروط قصيدة السهل الممتنع ومواصفاتها؟!

إنّ السهل الممتنع من الشعر هو مصيدة يقع فيها كثير من هواة الشعر ومتذوّقيه، لأنّهم عندما يقرؤون هذا الشعر الجميل العذب الجذّاب ويجدونه سهلاً في لغته وبنائه ومعانيه ينشأ لديهم اقتناع بأنّ هذا الشعر تسهل محاكاته، ويظنون أنّ سرعة فهمهم وسهولة قراءتهم لما قرؤوه دليلٌ على سهولة نظم مثل هذا الشعر، فيهرعون إلى أقلامهم وأوراقهم ويكدّون ويكدحون ليكتشفوا أن نظم بيت واحدٍ شبيه بما قرؤوه هو أمرٌ عسير، لأنّ ما يكتبونه لا يجدون فيه بعد كتابته لوناً ولا مذاقاً ولا نكهة كتلك التي وجدوها في الشعر الذي نال إعجابهم. ولكنّهم أحياناً ومن باب المكابرة أو خداع النفس يصدّقون أنّ ما كتبوه هو شعر جيّد، ولا يترددون في نشره بين الناس أو دفعه إلى المطابع، وهذا ما يفسّر كثرة الدواوين الشعرية التي أخذت تملأ الأسواق وبعضها أبعد ما يكون عن الشعر، ويظنُّ أصحابها أنّهم أصبحوا من الشعراء متسلّحين في هذا الوهم بأمرين: الأوّل سهولة وجود أصدقاء لهم يقرِّظون هذه الدواوين ويشيدون بها، والثاني: أنّهم يزيّنون دواوينهم بعناوين خادعة للقارئ ولكاتب القصائد نفسه.

ولم يوصف السهل الممتنع من الشعر بصفة «الممتنع» إلّا لأنّ القرّاء والمتذوقين له يستسهلون محاكاته فيغلق أبوابه دونهم، ولا يكون الامتناع إلّا بعد المحاولة، فهو إذن ممّا يغري بمحاولة المحاكاة، فيقع من يحاوله في مصيدة العجز عنه.

إنّ السهل الممتنع من الشعر هو سهلٌ عند قراءته صعبٌ وممتنعٌ عند تأليفه، أي أنه سهلٌ على القارئ وصعبٌ على الشاعر حين ينظمه، وهو يحتاج في نظمه إلى شاعر متمرّس متبصر بما يلائم أذواق الناس ويذكي مشاعرهم، حتّى إن الشعراء الذين يكتبون السهل الممتنع من القصائد يعانون في كتابة قصائدهم أكثر ممّا يعانيه الشعراء الآخرون.

إنّ ما يجعل من هذا الشعر سهلاً في نظر قارئيه هو ما يبذل فيه كاتبه من الجهد والعناء كي يجعل منه سهلاً عذْباً مستساغاً لدى قارئه، فهو كالطعام أو الشراب الطيّب الذي يبذل فيه مُعدُّه جهدًا عظيمًا كي يقدّمه لمن يأكلونه أو يشربونه طعامـًا طيّبـًا شهيًّا سهل التناول والهضم. لذلك فإنّ كلّ سهولة في هذا الضرب من الشعر يقابلها في أصل إعدادها صعوبة وعناء وجهد من الشاعر كي يجعله على هذه الصورة.

وفي التعبير عن ذلك يقول الناقد والشاعر البريطاني صامويل جونسون (1709-1784) إنّ ما يكتب دون جهد يُقرأ دون استمتاع.

إن الشعر السهل الممتنع شعرٌ خادع يوهم القرّاء بسهولة تعاطيه لكنه يمتنع عليهم عند محاولتهم التشبّه به، وهو بذلك يشبه ما وصف به ابن زيدون ولّادة بنت المستكفي قائلاً:

هي الماءُ يأبى على قابضٍ
ويَمْنَعُ زُبْدَتَهُ من مَخَضْ

ويشبه وصف ولّادة لنفسها قائلة:

إنّي وإنْ نظر الأنـام لبهجتــي
كظباء مكّة صيـدهـنّ حــرامُ

يُحسَبْنَ من لين الكلام زوانياً
ويصدّهنّ عن الخنا الإسلامُ

ولذلك فإنّ شعراء السهل الممتنع هم كبار شعراء العربيّة منذ عصر ما قبل الإسلام إلى اليوم، فهذا المنخَّل اليشكريّ الشاعر الجاهلي الذي كان يشبّب بهند أخت عمرو بن هند، له قصيدة مطلعها:

إن كُنْتِ عاذلتي فسيري
نحو العراقِ ولا تحوري

ويقول من بعض أبياتها:

ولقد دخلْتُ على الفتاةِ
الخِدْرَ في اليوم المطير

الكاعب الحسناء ترفُل
في الدمقسِ وفي الحرير

فدفعتها فتدافعت
مشي القطاة إلى الغدير

ولثمتها فتنفّست
كتنفّس الظبي الـبـهـيـــر

إلى أن يقول:

وأحبّهــــــا وتحبّنــــــــي
ويحبُّ ناقتَها بعيري

ومن السهل الممتنع شعرٌ كثيرٌ لمجنون ليلى، وممّا ساعد في جعل شعره سهلاً مستساغًا عذبـًا أنّه صدر عن عاطفةٍ حارّة صادقة، فمن قصيدة مشهورةٍ له في ليلى يقول:

 

أرانـي إذا صـلّـيْـتُ يـممّتُ نحوها
بوجـهـي وإن كـان الـمـصّلـى ورائيـا

فو الله مـا أدري إذا مـا ذكــرتـهــــا
اثـنـتـيـن صلّيت الضحى أم ثمانيـــــا

ومـا بـي إشــراكٌ ولـكــنّ حـبّـهــــــــا
كعودِ الشّجى أعيا الطبيب المداويـا

أحبّ من الأسماء ما وافق اسمهــا
أو اشْـبَـهَهُ أو كـان مـنـه مـدانــيــــا

قـضـاهـا لـغـيـري وابـتـلانـي بحبّهــا
فـهـلا بـشـيءٍ غـيـر لـيـلـى ابـتـلايـنــــا

خـلـيـلـيّ إنْ ضـنّـوا بـلـيـلـى فقرِّبـــا
لـيَ الـنَّـعْـشَ والأكـفـان واستغفرا لـيـا

وللمتنبي قصائد كثيرة تندرج في باب السهل الممتنع، وقد أشار الجرجاني في كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه» إلى أبياته في وصف الحمّى، قائلاً: «هذه القصيدة كلّها مختارة، لا يُعْلَمُ لأحدٍ في معناها مثله، والأبيات التي وصف فيها الحمّى أفراد، وقد اخترع أكثر معانيها، وسهّل في ألفاظها، فجاءت مطبوعة مصنوعة، وهذا القسم من الشعراء هو المُطمع المؤيس». وأبيات المتنبي في وصف الحمّى، هي:

 

وزائـرتـي كـأنّ بـهـــا حـيـــــــاءً
فـلـيـس تـزورُ إلّا فـــي الظــــــــلامِ

بـذلْتُ لها المطارف والحشايـا
فـعـافـتـهـا وبـاتـت فـي عـظـامــــي

يضيق الجلدُ عن نفسي وعنهـا
فـتُـوسـِعُـهُ بـأنــــواعِ الـسّقــــامِ

إذا مـا فــارَقَـتْـنـي غـسَّـلـتـنــــي
كــأنّـــــا عاكــفـــانِ عـلـى حـــــرامِ

كـأنّ الصُّبح يطردُها فتَجــري
مـدامـِعُـهـــــا بـأربـعـــــــةٍ سـجـــــامِ

أراقـبُ وقـتَـهـَا مِـن غَيْرِ شوقٍ
مـراقـبــة الـمَـشــوقِ الـمُـسـتَـهَــــامِ

ويـصـدُقُ وعـدُها والصدقُ شرٌّ
إذا ألـقـاكَ فـي الـكُــرَبِ الـعـظَــامِ

أَبِـنْـتَ الدهرِ عِندِي كلُّ بنتٍ
فكيف وصَلْتِ أنْتِ من الزحـامِ؟!

جـَرحْـتِ مُـجـرَّحـاً لم يبقَ فيه
مكـــانٌ للـسـيـــوفِ ولا الـسـهــــــامِ

ولأبي الوليد ابن زيدون القرطبي (ت 464 هـ) شعرٌ كثير ممّا يدخل في باب السهل الممتنع، ومن ذلك أبياته المشهورة في وداع ولّادة بنت المستكفي بعد لقاء لهما ذات ليلة:

ودَّعَ الصّـبْـرَ مـحـبٌّ ودّعَـــــكْ
ذائـعٌ مـن سـرّه مـا اسـتـودعــــكْ

يـقـرعُ السـنَّ عـلى أن لم يكُنْ
زادَ في تلك الخُطـى إذْ شـيّـعك

يـا أخـا الـبـدْرِ سـنـــاءً وسـنــــــا
حـفـظ الله زمــــانــــاً أطلـعــــــــكْ

إنْ يطُـلْ بـعـدك لـيـلـي فـلـكمْ
بـتُّ أشـكـو قِـصَـرَ اللَّـيْـلِ مَـعَـــــك

ومن الشعر الحديث الذي يندرج في باب السهل الممتنع، وهو كثير، شعر الراحل نزار قباني، ومن أمثلة شعره:

 

مـتـى سـتـعـرف كـم أهـواك يـا أمـــــــلاً
أبـيـع مـن أجـلـه الـدنـيــا ومـا فـيـهـــا

يـا مـن تـحـدَّيـتُ فـي حـبـي لـه مـدناً
بـحـالـهـا وسـأمـضـي فـي تـحـديـهــــا

لـو تـطـلـبُ الـبَـحْـرَ في عينيكَ أسكُبُـهُ
أو تَطلبُ الشَّمسَ في كَفَّيْكَ أَرمِيهَـــا

أَنَـا أحـبُّـكَ فـَـوْقَ الـغَـيْـمِ أَكـتُـبُـهَــــــا
وَلِلـعـصـافـيـرِ والأشـجـارِ أَحْـكِـيـهَـــــــا

أنــا أحـبُّـــكَ فـــوقَ الـمـاءِ أنْـقُـشُـهَــــــا
ولِلـعَـنـاقِـيـدِ والأقـْـــداحِ أسْـقِـيـهَـــــــا

أنَا أُحِـبـُّكَ يَا سَـيْـفـَـاً أسَـالَ دَمـِـــي
يـَا قِـصَّـة لَـسْـتُ أَدْرِي مَـا أُسـَمِّـيـهَـــــا

أَنــا أحـبُّـــك حَــاوِلْ أن تُـســاعـِدَنِـــي
فـإنَّ مَـــنْ بـَـدَأ المـــأســـاة يُـنْـهِـيـهـــا

وإنّ مــن فـَـتَـــح الأبـْــوابَ يُـغْـلِـقُـهَـــــا
وإنَّ مَن أشْـعَـلَ الـنِّـيرانَ يُـطـفِـيـهــا

يَا مَنْ يُـفَـكِّـرُ فـِي صَـمْـتٍ وَيـَتْـرُكُـنِي
فــي الـبَـحْـرِ أَرفَـعُ مَـرسَـاتِــي وأُلقِيها

كَـفَـاكَ تَـلـعَـبُ دورَ الـعـاشِـقِـيـنَ مَـعِــي
وتَـنـتَـقِـي كـلِـمــاتٍ لَـسـتَ تَـعْـنِـيـهَــا

ارجَعْ كَما أنتَ صَحواً كُنتَ أَو مَطَراً
فَـمَـا حَـيَـاتِي أَنـَا إنْ لَـمْ تَـكُـنْ فِـيـهَـا

وممّا قاله بدر شاكر السيّاب في قصيدته الشهيرة «غريب على الخليج»:

إني لأعجبُ كيف يمكن أن يخونَ الخائنونَ

أيخونُ إنسانٌ بلادَه؟!

إنْ خانَ معنى أن يكونَ فكيفَ يمكن أن يكون؟!

الشمسُ أجملُ في بِلادِي مِنْ سِوَاها، والظلامُ

حتّى الظلامُ هناك أجمل، فهو يحتضن العراق.. 

إنّ حفظ هذه الأشعار وتناقلها وقابليتها للغناء والتلحين هو شهادة اعتراف لها من الذاكرة العربيّة بجودتها وتميزها، لأنه ليس كلّ سهل يمكن أن يحفظ، فهناك السهل الجيّد وهناك السهل الغثّ. كما أن هذه الأشعار يجمع بينها جودة الإيقاع وجدّة المعنى ووضوحه وسهولة اللفظ والجاذبية والعذوبة وجمال العبارة والسلاسة والانسيابية وسهولة الحفظ، وغير ذلك.

ثمّة عناصر كثيرة تجعل من القصيدة مستساغة ومرغوبة وقابلة للحفظ والاستظهار، وفي المقابل توجد أسباب أخرى كثيرة تجعل القصيدة منفّرة وغير مرغوبة ولا مستساغة. فالقصيدة مثل أيّ شيء يدخل جوف الإنسان إن لم يشفع بما يجعله سائغـًا، كالماء أو الشراب، فإن النفس تعافه، إنّ مائية القصيدة ركنٌ أساسي من أركان كونها من السهل الممتنع.

إنّ اللغة مهما كانت فصيحة وسليمة وخالية من اللحن والأخطاء الإعرابية والصرفية والإملائية والدلالية وغيرها، لا تكفي للقول إنّ عنصر اللغة قد اكتمل في القصيدة. إذ إن للغة في القصيدة، على وجه الخصوص، مقتضيات كثيرة بعضها ظاهر جليّ وبعضها يكاد يخفى على الناظر تجعل في الشعر مائية وتجعله من السهل الممتنع.

إنّ الشاعر وهو يكتب قصيدته إنّما يكتب لأبناء عصره، فلا بدّ أن يراعي لغة العصر ولغة الناس، وإذا استخدم مفردة قديمة أو أكثر فمن باب التوظيف لمعنى جديد أو توليد معنى جديد.

ولا بدّ للغة والصور المستخدمة في القصيدة أن تداعب أحاسيس القارئ فتسهّل عليه وهو يقرأ الأبيات تمثُّلَ إيقاعات موسيقية معيّنة، أو روائح عطرية معيّنة، أو تناسقًا لونيـًا معينـًا، من خلال الكلمات المنتقاة والصور المبثوثة في النص.

إنّ السهولة في الشعر السهل الممتنع لا تعني أن ينحدر الشاعر إلى الكلام العاميّ أو ما يقرب من العاميّ وإن كان فصيحـًا. والمهم هو أن تقع الكلمة في موقعها المناسب من الجملة والقصيدة وتؤدي دورها الإيقاعي والمعنوي والعاطفي، ولا تبدو ناتئة شاذة. إنّه الكلام الفصيح من غير ابتذال وتكلّف وتهافت.

إنّ لكلّ عصر لغته ومفرداته، وإذا أغرق الشاعر قصيدته بمفردات قليلة الشيوع والاستخدام فإنّه يكون قد ضحّى بعنصر المائية وعنصر السلاسة، وفي الوقت نفسه لا ينبغي للشاعر أن يهبط بلغته إلى حدّ الركاكة والاستخدام العاميّ الذي يخرج بالقصيدة عن شرط العمق إلى صفة الضحالة. ولئن كان بعض المتحذلقين يوغلون في استخدام مفردات غريبة تحتاج إلى معجم لغوي لاستخراج معانيها بهدف استعراض قدراتهم اللغوية، ظنـًّا منهم أنّ الشعر هو اللغة فقط، فإنّ بعضهم الآخر يذهب إلى الإفراط في استخدام مفردات عاميّة ظنـًّا منهم أنّ هذا هو السهل الممتنع الذي يقرّبهم من جمهور القرّاء ويمكّن لهم عندهم، وفي الحالتين فإنّ ذلك يخرج بالنصّ عن حدود الشعر ويحول بينه وبين المائية والسلاسة والعذوبة.

ففي حالة من يوغلون في استخدام الغريب من المفردات فإنّهم في اللحظة التي يجعلون القارئ يتعثر في فهم معنى كلمةٍ واحدة أو يرتاب في ضبطها فإنهم يحرمونه من لذّة الانسياب في قراءة القصيدة وتمثّل جمالياتها الأسلوبية والموضوعية. وفي حالة من يفرطون في استخدام اللفظ الركيك والعاميّ فإنّهم يحرمون القارئ من الاستمتاع بالكلام العذب الجميل الذي مصدره الفصاحة والإشراق اللغوي.

وعلى ذلك فإنّ من شروط السهل الممتنع من الشعر أن يستخدم الكلام المأنوس العذب لا الموغل في الغرابة ولا المفرط في  الركاكة.

ومن دلائل الشعر السهل الممتنع أن القارئ إذا قرأه غير مضبوط بالشكل لا يجد صعوبة في قراءته مضبوطاً، لأنّ مفرداته في سياقها لا تحتمل صورًا عديدة من الضبط بسبب انتقائها لتكون مناسبة لمواقعها من الكلام.

ومن شروط اللغة في السهل الممتنع من الشعر تواؤم مستوى الألفاظ بحيث لا ينتقل القارئ وهو يقرأ من مستوى رفيع إلى مستوى متدنٍّ هابط أو العكس، فربّما تقع كلمة واحدة نابيةٌ أو ضعيفة في ثنايا كلام فائق الجمال والعذوبة فتعكّر صفاء النصّ وتفقده عذوبته وانسيابه. وكذلك يقال عن الكلمة العويصة الموغلة في الغرابة إن وقعت في نصّ سهل سائغ منساب، فإنّها وإن كانت غاية في الفصاحة، قد تفسد على القارئ انسجامه مع النصّ.

إنّ التناغم والاتّساق المطلوبين ليسا فقط في مستوى المفردات المستخدمة إن كانت غريبة أم مأنوسة، بل كذلك في الإيحاءات التي يولّدها الكلام، فإذا كان الكلام يوحي بأجواء نفسية معيَّنة، فلا بدّ من المحافظة على حضور هذه الأجواء وعدم تجاوزها إلى غيرها، من خلال استخدام المفردات المناسبة، لكنّ بعض الشعراء قد تغريه كلمة لها أثر إيقاعي ما فيأتي بها متجاهلاً أثرها في المحافظة على الجوّ النفسي للقصيدة، فيلوّث جوّ القصيدة الذي كوّنته إيحاءات الألفاظ الأخرى.

إنّ عذوبة الكلام قد تنبع من تتابع أصوات مهموسة أو شفوية مثلاً، فإذا أدخل فيها الشاعر مفردات ذات إيحاءات ودلالات صوتية مخالفة أو بعيدة، فإنّ ذلك يضرّ بانسيابية الكلام وعذوبته.

وممّا يخلّ بانسيابية القصيدة أن يلهث الشاعر وراء عنصر من العناصر المكوّنة للقصيدة دون أن يأخذ في الاعتبار سلامة العناصر الأخرى، فيلهث وراء الفكرة ولا يهمّه البناء، ويلهث وراء الوزن ولا يهمّه المعنى، أو يلهث وراء صورة ولا يهمّه الإيقاع المتولّد داخل القصيدة، وغير ذلك. ولذلك لا بدّ للشاعر وهو ينسج قصيدته أن يراعي سلامة عناصر بنائها بصورة متساوية، لأنّه متى تفوّق عنصر على عنصر آخر أو على سائر العناصر فإنه يفقد القصيدة سلامتها البنائية وانسيابها وعذوبتها.

إنّ الأصل في الحفاظ على انسيابية القصيدة وعذوبتها أنّه إذا اضْطرَّكَ الوزن لاستخدام مفردة قد تخلّ بسياق المعنى أو الجوّ النفسي للقصيدة، أن تستغني عن البيت كلّه إن لم تجد مفردة مناسبة.

وممّا يخلّ بانسيابية القصيدة والأبيات الانتقال السريع من مدٍّ مشبع إلى مدّ آخر غيره، كالانتقال من إشباع الكسر إلى إشباع الفتح في بيت واحد.

إنّ من أكثر ما يخلّ بانسيابية القصيدة ويخرجها من باب السهل الممتنع أن يكثر فيها التكلّف، ومن التكلّف استخدام كلمات تصرف ذهن القارئ عن الاسترسال في الفكرة والاستمتاع بالصور والمعاني والإيقاعات والألفاظ، إلى فكرة أخرى ليست مقصودة في العمل الأدبي.

ومن التكلّف أيضًا في الشعر أن يضطر الشاعر إلى المبالغة في إلغاء واو العطف الرابطة بين الجمل أو بين المعطوفات المختلفة، حفاظًا على الوزن الشعري.

ومن التكلّف كذلك أن يضطر الشاعر إلى دفع القارئ إلى قراءة المقطع الصوتي الطويل قصيرًا. ومنه كذلك أن يجعل الشاعر رويّ الشطر الأوّل من المطلع مدًّا مشبعًا ويجعل قافية القصيدة ساكنة، وذلك كالذي يسير بسرعة وانسياب ثمّ يصادفه ما يوقفه توقفًا فجائيًا. وهذا في نظري يمثل خروجًا فاضحًا على الانسيابية والشاعرية، ويفسد الإيقاع. وربما يكون البدء بالسكون ثمّ الاختتام بالإطلاق والإشباع أقلّ ضررًا.

ومن التكلّف المخلّ بالانسيابية الاضطرار إلى الإكثار من تخفيف الشدّة كي يتناسب مع الوزن، ولا ضير في أن يقع ذلك في القصيدة مرّة واحدة على أن يكون متناسباً مع إيقاع القصيدة.

ومن التكلّف كذلك الإكثار من التقديم والتأخير من غير سبب، مثل تقديم خبر كان وأخواتها، وتقديم المفعول به على الفاعل، والحال على صاحب الحال وغير ذلك.

ومن أكثر الأساليب الكاشفة عن التكلّف في القصيدة إكثار الشاعر من الكلمات والجمل الاتكائية التي لا تزيد في المعنى شيئاً، ولا تضيف إلى الإيقاع أو الصورة.

ومن التكلّف كذلك التقصير في فهم القافية والروي مثل اتخاذ أحرف المدّ حروف رويّ، أو اتخاذ أيّ حرف في حال سكونه حرف رويّ دون التفات للحرف الذي يسبقه مثل: عليكم، لديهم، معلّم، يفهّم… إلخ.

ومن التكلّف الإكثار من اللجوء للضرورات الشعرية والزحافات والعلل والاتكاء على قاعدة «يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره» فهذه الضرورات لا يلجأ لها الشاعر إلّا إذا سدّت السُبُل جميعها أمامه، أما أن تكون ديدن الشاعر في كلّ لحظة فإنها دليل على عجزه وضعفه.

ومن صور التكلّف أن يكثر الشاعر من التكرار المتتابع أو غير المتتابع لكلمات أو عبارات لغايات ملء الفراغ الإيقاعي في البيت الواحد أو القصيدة الواحدة، ومن غير أن يكون لهذا التكرار وظيفة أخرى.

ومن صوره كذلك الإكثار من صيغ المبني للمجهول سواءً في الأفعال الماضية أو المضارعة، لأنّ في ذلك ما يؤدّي إلى التواء اللسان في النطق ويضعف الانسيابية في القراءة.

ومن صور التكلّف أيضًا الإكثار من الالتفات وكثرة التنقل بين ضمير المخاطب وضمير الغائب وضمير المفرد وضمير الجمع لغايات الوزن العروضي فقط.

ومنها كذلك الإكثار من استعمال المترادفات في البيت الواحد أو الجملة الواحدة، ممّا يكشف عن ضعف الشاعر.

ومن التكلّف الإكثار من تضمين الشعر القديم.

وممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ صور التكلّف هذه مباحة للشاعر إذا كانت تخدم القصيدة من الناحية الفنيّة أو الموضوعية شرط عدم الإكثار منها والمبالغة في الاعتماد عليها.

إنّ على الشاعر الذي يكتب السهل الممتنع أن يراعي أنّه يكتب للآخرين وليس لنفسه، ولذلك فإنّ عليه بعد أن ينهي قصيدته أن يجرّد من نفسه قارئاً، وكأنّه شخصٌ آخر غير الكاتب. وعليه أن لا يبتعد عن هموم الناس الصغيرة والكبيرة في ما يكتب، وأن يجعل من شعره وسيلة لمعالجة تلك الهموم أو تشخيص أسبابها ووسائل علاجها، لأنّه إذا ابتعد عن هموم الناس فلن ينشغل أحدٌ بما كتب مهما كانت إجادته اللغوية والتعبيرية فيه. ولكنّه في الوقت نفسه لا يكفي أن يجعل من قضايا الناس وهمومهم موضوعاً لقصيدته كي تكون القصيدة مقبولة لديهم، بل إنّ عليه أن يُلبِسَ القصيدةَ لباسًا جميلاً وأنيقاً وجذاباً. وللجمع بين هذه الأمور لا بدّ للشاعر أن يكون صاحب ذائقة عالية ورفيعة في الشعر، وصاحب ثقافة واسعة وعميقة، وصاحب خبرة وممارسة طويلة، وأن يكون شاعرًا وناقدًا ومتذوقًا في آن واحد، وعليه أن ينسجم مع ذاته وقصيدته، وأن يكون قادرًا على السير في خط مستقيم داخل القصيدة فلا يهبط عن المستوى الذي بنيت عليه القصيدة أبدًا، وأن يحسن انتقاء الألفاظ والصور المناسبة لموضوع القصيدة ومستواها وإيقاعها وأثرها النفسي.

إنّ كتابة السهل الممتنع تتطلب من الشاعر ألاّ يتردد في الحذف والإلغاء لأي بيت يرى فيه نشازًا أو خروجًا عن جوّ القصيدة.

إنّ قصيدة السهل الممتنع هي التي تجذب القارئ من البيت الأوّل (المطلع) ويبقى صداها في عقل القارئ وحسّه بعد البيت الأخير منها، إذ إن للمطلع والخاتمة في قصيدة السهل الممتنع دورًا بالغ الأهمية في إحساس القارئ بالقصيدة ومعانيها وإيقاعاتها.

كما أنّ اختيار البحر المناسب للموضوع الذي تتناوله القصيدة هو شرط من شروط تحقيق عذوبتها وانسيابيتها.

وهذا التواؤم والانسجام بين موضوع القصيدة ووزنها الشعري هو ما يجعل السهل الممتنع يسهل نطقه على اللسان ويعذب وقعه في النفس.

ولئن كان السهل الممتنع أقرب إلى الأسلوب المباشر والخبري منه إلى الأساليب الرمزية إلّا أنّه لا يخلو من استخدام الرمز، ولكن على أن يكون رمزًا شفافًا غير مغرق في الغموض والإبهام.

ولئن كان يميل إلى الوصف المباشر إلّا أنّه لا يخلو من براعة التصوير ولكن من  غير تكلّف أو صنعة، فوصف المتنبي للحمّى فيه تصويرٌ بارع وفائق الجودة.

ولا يخلو السهل الممتنع من الزينة اللفظية كالطباق والجناس والتصريع والموازاة والتقسيم الداخلي، ولكن على أن يكون بصورة عفوية تلقائية خالية من المبالغة والتكلّف والتقعّر اللغوي.

إنّ السهل الممتنع من الشعر هو القادر على إثارة الدهشة لدى القارئ، والجمع بين سهولة المعنى واللفظ ومتانة العبارة، وغالبًا ما تتّسم قصائده بالاعتدال في الطول، لأنّ الطول الزائد يدفع القارئ إلى الملل، كما أن قصائد السهل الممتنع لا تخلو من حُسْنِ التخلّص وبراعة الربط والانتقال بين أجزاء القصيدة.

وفي الختام فإنّ السهل الممتنع هو فنّ كبار الشعراء المتمرسين في الأدب والمتبحرين في اللغة، والمتسلحين بالذوق الأدبي الرفيع والثقافة الواسعة، والقريبين من مشاعر الناس وهمومهم، والقادرين على الإبحار في مستوى ثابت ومتّصل من الصياغة الفنية الرفيعة مع المحافظة على عذوبة النصّ وحلاوته وجاذبيته وتأثيره في القرّاء.

 

المقالة منشورة في العدد الأول من مجلة الرابطة الثقافية

 14384156_641804549322381_1869137964_n

 

 

 

تعليقات الفيسبوك