الانتزاع – تحت ظلال نص للشاعر البياسي – نارت حسن الشيخ

1 يناير, 2017
الوسوم :

الانتزاع

 تحت ظلال نص للشاعر البياسي 

 

كثيراً ما كان هذا الأسلوب يأخذ اللبين معاً ليلقيهما على أعتاب لغة حية ما كانت جماداً كما يحسبها أعداؤها أو غير المناصرين لها، إنها ذلك الكائن الحيّ الذي تدبّ الروح في ثنايا قلبه، و تتغلغل أنفاسه بين تلافيف قلبك، فتنهض كلّ جوارحه، تربّت على كتفيك لتشعرك بوجوده وبدفء نبضه طالما ملكتَ الأدوات التي تؤهلك لذلك.
 هنا لا يمكن الفصل بين هذه اللغة كقواعد لها أسسها و بين اللغة الروح التي تحلق في سمائك وتدني أغصانها الغضة رغم تقادم الأزمان من كفيك، فاقطف….
وأقصد الشعر وذاك (الضمير) الذي لا يشبه قط الضمير العربي للسادة الضعفاء من الرؤساء والملوك
- واسمحوا لي ألا أستطيع نزع نفسي من معاناةٍ سلبت منا جلّ تفكيرنا-
 ذاك الضمير الذي يمرّ عفواً بالقرب منك منبثقاً من فؤاد شاعرٍ، مضيئاً انثناءات أنامله، مغدقاً نوراً يكشف لك خبايا ذات عصيّة
 و يحيل كلامي هذا ذاكرتي المرهقة إلى قرابة تسع عشرة سنة خلت، حيث حلقة بحث عن الضمير كنت أعددتها للدكتور بكري شيخ أمين، ولكن الأمر وبعد كلّ هاتيك السنين يختلف، أو لنقل إنه عود الكبريت الذي أنتزعه من الحزمة المضيئة في حياتي لأضيء جانباً ثرّاً أعتقد أنه يمكن أن يكون مجالاً لبحث واسع يحتاج إلى مراجع ومصادر تغنيك عن النت وابتلاءاته.
 أمّا الأسلوب الذي قصدته، فربما سبقني غيري إلى الحديث عنه بمسميات مختلفة أو لعله المسمى الوحيد الذي انتزعته من مخيلتي لأعبر عما لم أجد له مسمى آخر قد يوفيه معناه.
 أياً كان… لم أضمر في أي بحث أن أكون سباقة بقدر ما أضمرت رغبتي في أن أكون عنصراً فاعلاً غير مركون جانباً في العربية الروح. 
إنّه الانتزاع …
 والانتزاع لغة و بما يؤدي غرض مقالي هنا من انتزع الشيء: أخذه قهراً وعنوة، ونزع الشيء من مكانه جذبه وقلعه، ونزع يده من جيبه “أخرجها ومنه “ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين” 
 دأب الشاعر العربيّ على انتزاع شخص آخر من نفسه يحملّه همومه ومشاكله، يهرب إليه كل لحظة ليبرر من خلاله بعض تصرفاته، يلقي على عاتقه أيّ قرار يتخذه، و يمرّ طيف ابن زريق البغدادي وهو يعتذر لزوجته ويخفف عنها وطأة رحيله في وصية قيل إنها وجدت مكتوبة بجانب جثة هامدة 
لا تعذليه فإنّ العذل يولعه 
قد قلتِ حقاً ولكن ليس يسمعه 
إذاً ابن زريق الشاعر هو غير ذاك الرجل الذي سيتغرّب ضارباً أصقاع الدنيا باحثاً عن لقمة عيشه، 
إنه هنا ينتزع شخصاً آخر من نفسه ليبرر رغبته في الرحيل و ليطفئ جمر الأحزان في قلب حبيبته المكلومة
ويقطع مداهماً خلوتي مع قصيدة ابن زريق نص الجواهري الذي لم ينل حظه من دراسة الدارسين، 
 أرح ركابك من أيْنٍ و من عثر 
كفاك جيلان محمولاً على خطر
 هذه القصيدة التي كتبها بعد عودته إلى العراق منتزعاً من نفسه شخصاً آخر يحمله ذنب معاناته مخاطباً ذاك المرغم على التغرّب، داعياً إياه إلى حطّ رحاله في العراق بعد جيلين من المعاناة و الألم. 
ولم لا أعود عقوداً مغرقة في القدم، إلى العصر الجاهلي حيث الأعشى صاحب هريرة ؟
 ودّع هريرة إن الركب مرتحل 
وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟
 انتزاع بارز مؤثر فالأعشى لا يريد وداع محبوبته ويحث ذاك المنتزَع من نفسه على تحقيق ما لم يتمكن هو من تحقيقه، لكنه لا يلبث أن يسأله مستنكراً عن قدرته على وداعها وبذلك يتفق الرجلان، 
ولك أن تتخيل مدى تأثر هريرة في لحظات كتلك وهي تسمع إنكار الأعشى سهولة وداعها
و شريط سريع لكثير من الشعراء يمرّ أمامي شريط بطول الآه التي أحملها لفقدي وطني، فمن المجنون ببيته:
 ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا 
في حبّ من لا ترى في نيله طمعا
إلى عمر بن أبي ربيعة وقوله : 
ما بال قلبك لا يزال يُهيجه 
ذكَرٌ، عواقب غيهن سَقام 
إلى…… 
إلى البداية، حيث تلك القصيدة  داهمتني اليوم صباحاً فسحبت من ذاكرتي ذاك الشريط الممتد الذي سردت بعضه مستمتعةً هنا: 
قل لي ولا تكذب عليّ بكلمة 
أتحبـــها مـــن كـل قلبك حقّاً
أم ما تزال كما عهدتك دائماً
للغرب تسرج ثم ترحل شرقا
ينتزع الشاعر شخصية أخرى يعرف مكنوناتها و يدرك نوازعها المشتتة، يحدثها بل يعاتبها أشد العتب
بأسلوب مباشر سلس واضح :
قل لي ولا تكذب عليّ بكلمة 
و هذه السلاسة التي لم تمنع من تحقق الشاعرية في النص،  تبرز ذكاء الشاعر الذي نفى عن ذاته أن يكون مشتتاً بينما نسب هذا التشتت إلى الآخر الذي أراه مسكيناً أمام جلد البياسي له 
إنه يعرفه حقاً فلا ينتظرنَّ المُنتزَع تبرئة من قبل القارئ مطلقاً ( كما عهدتك دوماً )
 و يزداد لوم الشاعر و تزيد قوة جلداته وحدتها، و هو يدرك تماماً أنه يجلد ذاته موحياً للقارئ و لمن أضمر قصده في فؤاده أن ذاك الشخص غير الشاعر الحمصي مؤسس رابطة شعراء العرب 
 يقول: يا أشعث الإحساس جد لك وجهة 
وانهض وأحرق ما ببحرك حرقا
واثبت على حسناء واحدة تجد 
في حبّ واحدة لعمرك فرقا
 لم لا نقول: إنه يخاطب ذاته في ليل حالك و تحت إضاءة خافتة وبيده قلم مسكين، يؤنبها ويلومها ويعرضها لنا على أنها شخص آخر يلوب شرقاً وغرباً دون تحديد لوجهة يقصدها؟ 
أتراها الأنفة التي تجعله يرمز إلى مكنونات نفسه ناسياً أن هناك قراء يتصيدون زلات اعترافات الشاعر؟
فبين شاعر ذكي و قراء لا يقلون ذكاء يتوهج النص الشعري بما يجعله جذاباً كفاية 
 و لعلي لن أبالغ إن قلت: بعد رحيلنا قد تمطر الدراسات نص البياسي كتلك التي طرقت سماء السياب 
ترى من يقصد؟ وماذا يقصد؟على لسان من هذا الكلام ؟
هل هو حقيقة ما توقعته نارت، الانتزاع؟
هل هو محادثة الظلّ في الخفاء ؟
 أو هو نصٌ خُطّ بكف الشاعر البياسي على لسان فتاة لوامة جريئة خاطبته لتخرج من أعماقه هذه النبضة الحية؟
أراني أخيراً حائرة بعد ثقة سابقة تامة بمراده حيث تتزعزع ثقتي و تتزاحم الأفكار في مخيلتي 
لأنتزع هاربة من هذه الدراسة من ذاتي شخصية أخرى فضولية و أقول لها وليدة لحظة:
أقحمتِ نفسك في العَصيّ كما السها  ما للنساء وللظنون و مالها؟

نارت حسن الشيخ
31/ 12/ 2016
 إستانبول

تعليقات الفيسبوك