الوسادة – قصة قصيرة- ريم حمود

الوسادة

%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%a9
 

قصة بقلم : ريم حمود 

عجّت الرفوفُ وامتلأت الأدراج وطياتُ الكتب برسائلي التي كتبتها وما أرسلتها إليه , أحسست أن قصة حبي انتقلت لقصة حب بيني وبين رسائلي, قصة عشق لقلبي وأشواقه وآلامه المتناثرة بين الحروف التي أكاد أسمع بسمتها حيناً, وأنين دمعتها حيناً آخر .

كان لابد من الترتيب ووضع النقاط على حروف نبضي ورسائلي, صنفتها في ثلاثة أقسام: رسائل حب, رسائل عتاب وخيبة , رسائل اعتذار وعودة .

أفزعني كمُّ الرسائل المرتبة فوق بعضها , فكرتُ ملياً بنشرها في ثلاثة دواوين , وجلست أنتقي عناوين لدواويني, لكنْ عرفت أن حروفي ما إن تلامس النور حتى تصبح كلمات الحب فيها مستهلكة , ومشاعاً بين الطلاب والمراهقة , بل إنها ستُقتل حين تُقرأ ,وتصير ملصقاتها على دفاترهم أشبه بنعوات لِما كان يوماً نبضَ قلب ,وبسمة روح, ودمعة صدق .

ماذا سأفعل بها ؟!
أرسلها إليه وليكن ما يكون ؟!!
أتراه سيذكر كل لحظة أو موقف خططت لأجله رسالة ؟ أتراه سيذكر مثلاً يوم كان يضحك مني لذكره حبيبة قديمة أو امرأة غريبة ليثير غيرتي فأبكي صمتا وقهرا  ؟؟!!!!
كم كانت تتلعثم حروفي أمامه , فأخط رسالة خيبة وغيرة وعتاب وأكاد أرسلها في اليوم التالي فتنازعني طيبتي, ويتوسل لقلبي الغفران, فأخط رسالة جديدة كاعتذار عن الأولى وكأنها فعلا وصلته ! اعتذر فيها عن دمعة سكبتها بين يديه أزعجت ضحكات قلبه لأكون في النهاية أنا المذنبة , أو هل سيذكر الليالي التي نام فيها وكان لهيب الشوق يستعر في روحي فأطفئه برسالة حب أحمّلها عطري, وقبلة عذرية أطبعها على جبين الرسالة وما إن يأتي الصباح يثنيني الخجل عن إرسالها وتلفني أعاصير الحياء وترميني في صحراء صمت الاشتياق ؟!
هل سيذكر الأوقات التي هربت فيها إلى أوراقي أكتب معاهدات الولاء والوفاء الدائم له بعدما أغرقني حناناً وحباً ؟!!!!
هراء ..
ستفقد رسائلي قيمتها لديه لأنها فقدت عنده الارتباط باللحظة والمناسبة , بعكس تذكري لتفاصيل الإحساس وربما لصوت نبض قلبي .
لامعنى الآن لرسائلي بين يديه, ولا حتى بين يدي, سيكون احراقها في نار الموقد أفضل هدية أقدمها لمسائي لتزداد النيران تراقصاً واشتعالاً , ويزداد ليلي دفئاً بعد طول برود . ها أنا متوجهة نحو نار الموقد, حاملة كمية من تلك الرسائل , توجّهَ الفاتحين المنتصرين الذين اهتدوا أخيراً لخطة هدم الحصن الحصين, وصلت مزهوة , رفعت اﻷوراق كفارس رفع سيفه ليهوي به مُنهياً خصمه, لكنْ سهواً, سقطت رسالة في النار..!
آآآه يا للنار التي استعرت, ويا لصراخ حروف الرسالة مستجدية مستنجدة, ياللدموع المقعدة في عيوني, ابنتي في النار تحترق , وأنا مشلولة أشاهد وأختنق .
ماذا لو أن الرسائل اشتعلت ؟!! لكانت ناراً أحرقتني وما حولي . أي دفء حلمت به, وأنا باحتراق رسالة بت أتقلب على جمر الندم ؟!! وخيانة العهد ؟!  أي دفء ؟!, وقطعة من قلبي سقطت في نار الهشيم واحترقت إلى مالا عودة !!!!!! متى كانت النار تداوى بالنار ؟!!.. ومن قال إن علاج الجرح الكي ؟!!.. دموع ودموع سأذرفها عمراً على طفلة دللتها وضاعت مني في لحظة عسرة. سأحاول النوم الآن والغرق في دموع وسادتي .. وليأتِني الصباح بما يجعلني ورسائلي نرتاح . وأنّى لمثلي أن يرتاح وهذه الوسادة التافهة اهترأ قوامُها وفقدتْ ماخلقت له , (الراحة ).
ربما أول ماسأفعله صباحاً , تحسين حشوتها . (حشوتها ) .. هي ذي .. كلمة سقطت من السماء, ونطقها لساني, استقرت في قلبي , وكان قراري .

ستكون رسائلي (مستودع أحلامي وأفراحي وأحزاني)
ستكون أجمل حشوة لوسادتي
 ستكون حاضنة روحي, مستقرا لأفكاري التائهة, راحة لرأسي المتعب والذي ناء بأسراري .
وفعلت .. وحشوت .. وحشوت .. أعتذر إليك وسادتي الحبيبة, ماكنت يوماً تافهة ..
كم سهرنا معا .. بكينا معا .. حلمنا معا .. كنت متكأً لظهري في ليالي القلق .. متكأً لقلمي في البوح, وحافظاً أمينا لعطري المسائي في ليالي الفرح ..
كان الله بعونك وسادتي . الآن انتهيت .. وارتاحت .. وارتحت . هاهو قلمي المزروع دوماً بجانبي يغريني بالكتابة, ابتمست له, رويت شوقه لأناملي .. اعتذرت إليه .. فهذه المرة لن أخط رسالة .
افتتحت وصيتي التي لم تزل حتى اللحظة فارغة .. خططت سطري الوحيد فيها .. وسيبقى ….. ” ادفنوا معي وسادتي “.

ريم حمود

%d8%b1%d9%8a%d9%85%d9%8a

تعليقات الفيسبوك