حفيـد الجـنّ – د. راشد عيسى- أبكيتُ البردوني وفدوى طوقان

28 ديسمبر, 2016
التصنيف : الأخبار,مقابلات
الوسوم :

حفيـد الجـنّ

د. راشد عيسى

أبكيتُ البردوني وفدوى طوقان

14384156_641804549322381_1869137964_n

 

حاوره: د. نزار أبو ناصر

 

 

حين قابل «امرأة فوق حدود المعقول» أهداها «شهادات حب» وقال «وعليه أوقع» «بكائية قمر الشتاء» «حتى لو» كان هو نفسه «حفيد الجن» في دراما «مفتاح الباب المخلوع» يمارس «جبرياء» التصوف و«ريشة صقر» في يده يثير بها الريح المرسلة للإبداع، كل هذا كي لا يشعر بحرفه الساخن في «ما أقل حبيبتي» وكي يجاهر «عرف الديك» بسيمائه واختلافه وتوالده المتجدد كالفراش الحالم حين تغادر «يرقات» الواقع.

راشد عيسى شاعر عربي محفوف بالشتات الجغرافي، حرٌّ كالسنونو ومزاجيّ كعطارد، تفتحت بذوره الشعرية في صحراء الدهناء بالسعودية وتنامت حقوله الإبداعية في الأردن. ويكاد يكون مؤسَّسة ثقافية فهو شاعر أصدر خمسة عشر ديواناً، وباحث ناقد نشر عشرة كتب مهمة في النقد الأدبي وكتب للأطفال منظومة من المجموعات الشعرية والقصصية وامتاز بكتابة رواية الطفل اليافع، وله كتب في مهارات الاتصال ومهارات الحياة، وفي استراتيجية المرأة، وفي تحقيق الشعر، وله كتابان في نقد أدب الأطفال. كما أنه أكاديمي متمرس في تدريس الأدب الحديث، وله بحوث جادة في الأدب المقارن. كما أصدر رواية مفتاح الباب المخلوع التي أثارت أسئلة إبداعية نشطة، يزاد على ذلك أنه إعلامي رَأَسَ تحرير مجلات وأشرف على ملاحق ثقافية. وكتب الأغاني وقدّم رؤى نقدية في لوحات تشكيلية. وما زال خبيراً لمناهج اللغة العربية في منظمات دولية متعددة. ومع كل هذا التنوع إلا أنه حافظ على هويته الشعرية الخاصة، وقدم إنجازاً إبداعياً في تحديث القصيدة من حيث تطويع اللغة الشعرية واجتراح صور فنية غير مسبوقة فاكتسب نكهته الخاصة ولا سيّما أنه من الشعراء القلة الذين يبدعون في فن إلقاء الشعر. لراشد عيسى (كاريزما) شعرية ساحرة. نال جوائز عربية مرموقة، وما زالت بهاراته الشعرية حارة فاعلة تزداد وهجاً. وهو شاعر حتى في نثره  وحديثه وسلوكه العفوي الذي يجمع بين الطفولة والصعلكة الرشيقة.

a

 حدثنا عن البدايات كيف تبلورت لديك الحالة الشعرية، على أيٍ من مشهديات الطفولة اعتمدت، وما أثر البيئة والحالة الاجتماعية في سبر أغوار انتمائك الثابت لعالم راشد عيسى المختلف؟

ما زلت حتى هذه الساعة أراني ابن بيضة، طائراً بعشرين جناحاً وثلاثين منقاراً. وضعت أمي بيضتها في كهف على جبل (بليبوس) الجبل الشمال في مدينة نابلس في أثناء ما كانت تجمع الحطب مع أبي في 4/6/1951م.

للأسف فقست البيضة فكان المولود أنا رشدونيوس بن عيسَوَيهْ. أبي فارس بدوي قريب الشبه بالشنفرى، رعويّ بامتياز، عازف شبابة «ناي» وأمي فلاحة قوية تقدر أن تبطح بقرة، أنا ابن شتات الجرح، ابن سخريات الألم السياسي، ابن كذبة الحياة، شاركتُ أبي وأمي لعبة العيش منذ حبوت، وكنت سعيداً بشتاتي بينهما وهما يتنقلان في السكن من الكهف إلى المخيم إلى بيت الطين إلى خصّ من شجر الدفلى على الضفة الشرقية من نهر الأردن عميد الأنهار الحزينة وعرافها. كبرت بينهما مثل إثم جميل، ورأيتني مكرهاً على أن أكبر فأبلغ العشرين تلميذاً تخرج في مدرسة الحزن الشجاع ليعمل مدرساً في صحراء الدهناء في المملكة العربية السعودية، هناك التقيتُ بأسرة أُخرى أسهمت في تربية فؤادي الضال: أمومة الصحراء، وأبوة السماء، وأشقائي الجمل والضب والجربوع وشجر السدر ونبات الحرمل والعرفج، عمّي عواء الذئب وخالي عزيف الرياح، ومأواي خيمة بلا أوتاد، في تلك البيئة التي أحببتها «لأنها تشبه بيئة روحي» تزوجتني جنية الشعر فكتبت أولى قصائدي بعنوان «الجاهلي المعاصر» ومنها:

ويوم قصدت البرَّ أقتنص الظِّبا
وأكتب فوق الرمل قلبي وأمحُوَنّْ

لمحتُ ظباء البدو في حضن روضةٍ
وزهر الخزامى حولهنَّ يزغردنّْ

فآنسـة تشـدو وترسـل صوتها
هديلاً من الأنغام يجرحه الشجنْ

وأخرى حسدتُ الثوب كيف يلفّها
وخلتُ نوايا الثوب تعبث بالبدنْ

وثالثة تزهــو برقصــة ظِلهـا
تلاعب أطراف الخيوط وتغزلنْ

وإذْ هُنّ في سهـو ولهوٍ وغبطةٍ
أسارع أحياناً وحيناً أُقصِّرنْ

وكنت بـذاك الحيـن أسأل لهفتي
بكيف وهل وما وأيّ وكم ومَنْ

فطفولة الشتات والتشظي مع لقمة العيش، ثم نموّ زهرة شبابي في الصحراء عاشقاً لأخلاقها الصعبة ومزاج رمالها، سببان ألحَّا على كينونتي باستنبات الشعر من أعالي الأسى وأقاصي المرارات لعلي أنتصر على الدنيا بالشعر.

2m3a3893

 دائماً ما تنصح الشعراء بالاعتماد على مفهوم اللعب والتجريب في الكلمة المكتوبة لتبدو أكثر شاعرية وتعلي من توهج الصورة، كيف تُبرهن على أهمية طرحك هذا؟

للغة الشعرية أخلاق خاصة تكسب الشعر لذعته الجمالية وتمنحه حساسية فنية انفعالية جديدة. الشعر العظيم يأبى التراكيب الجاهزة ذات الدلالات المستهلكة المبذولة، فيحرج النظام اللغوي المألوف، ويخرج عليه أحياناً لإنجاز بنىً لغوية أجمل إشعاعاً دلالياً، وأعمق إيحاءً، وأوسع كنايةً، إنه يتفلت من أحزمة المعنى الثابت ومن النطاق المضروب على المغزى الواحد.

فهو إذن يلعب باستمتاع ويسعده أن يسجل هدفاً من خارج خطوط الملعب ومساحته المحدودة. وهذا اللعب هو تجريب ضروري للشاعر الذي يريد أن يسجل إضافة نوعية لصيغه التعبيرية. لم يخلق الشعر ليطيع اللغة بل ليربكها. الشاعر ينبش في المقابر اللغوية ويستخرج المفردة الميتة ويحقنها بالحياة، كما يدفن في الوقت نفسه استعارات بائدة فقدت صلاحيتها للمعاصرة. إنني أستغرب من شاعر معاصر ما يزال يستخدم تراكيب من مثل: استشاط غضباً، ولا غرْوَ، لا تبقي ولا تذر، يضرب أخماساً بأسداس، وغير ذلك من الأنماط اللغوية التي شبعت موتاً. هذا ما أقصده باللعب الفني في اللغة أي التفلت من الأسيجة (والكليشيهات الجاهزة) السائرة على الألسن وقد فقدت بريقها الإيحائي، لا بُدَّ للشاعر الجيد من أن يقلق طبائع المفردات ويلحق بها الجنون والهسيتريا ليعلمها فن المراوغة والمواربة والمكر الدلالي الجديد. لا يعيش الشعر إلا بالتجريب المسؤول الذي يحققه الشرط الجمالي وينسجم بصورة ما مع ما يقاس عليه. اللغة الشعرية قابلة للتطويع والانزياح واستحداث تحولات تعبيرية تنقذ القصيدة من جاهزيتها. أما الصورة الشعرية فهي مرهونة لفن بنائها اللغوي، وعليها أن تربط الحواس وتثير الدهشة والاستغراب، ولن يتحقق هذا إلا باللعب في صرف المفردة أو في نسق المدماك اللغوي.

فَسَهَوْتُها وشربت خفّتَها
شُرْبَ الصحاري نيّة السحبِ

لَيْلَكَتُها وسهرتُ في يدها
فتقطرتْ من سكّر القصبِ

وتَمَريْمَتْ حولي بنخلتها
لألمَّ ما صلى من الرّطبِ

أو:

ما زلْتُني قيدَ النساء  مفخخاً
بالحب، والسّتون خلف ورائي

download-1

 في كتابك القادم عن ماهيتك الشعرية، تطرح بشكل شاعري وأخاذ مختصراً لنظريتك الشعرية، هل تسمح لنا بالاطلاع على أهم جوانبها؟

نعم، أعمل الآن على إصدار كتيب بعنوان «هويتي الشعرية» دوّنت فيه تخاطراتي ومواقفي ومفهومي الخاص للشعر والشعرية، فهو بشكل ما شهادة إبداعية على تجربتي في خمسة عشر ديواناً أصدرتها خلال ثلاثين سنة، وهي شهادة لا تخص إحداثيات شعري بقدر ما تخص فن الشعر بعامة. فتحدثت عن اللغة الشعرية وقدمت تعريفات للشاعر وللقصيدة بأسلوب شاعري، لأنني هنا لست ناقدًا أؤطر وأنظر بقدر ما أمارس حريتي في إسالة مفهومي للشعرية بأسلوب جمالي فيه حدة والتذاذ. لست مؤرخاً إنما ألوي عنق التاريخ من أجل جغرافيا القصيدة، ومن أجل نصرة التعبير الجمالي.

ولعل أهم ما في الكتاب هو حديثي عن الشعراء والشاعرات الذين تأثرت بهم وبهن وأعانوني على أن أكون شاعرًا.

وهؤلاء ليسوا بشراً إنما هم أبناء البداءة والفطرة والطبيعة «الناي، الصحراء، السراج، النهر، الديك، وأبناء العناصر الكونية: الماء والهواء والنار والتراب».

هؤلاء هم من استفزوا دمي وطوّحوا بي في أراجيح الأحلام وفي مفاوز الألم الوجودي اللذيذ، فقلت في الناي:

عاش مثلي مشرَّداً في المراعي
ناطقاً باسْمهِ وباسم التياعي

يشرب الماء من فم الريح حتى
يُبطل السّمَّ في نوايا الأفاعي

كنتُ وحدي بلا أخٍ غير أني
كنتُ أدعوه يا أخي في الرضاع

لم يفارق دمي على أي جرحٍ
منذ أن كنت صرخةً في اللفاعِ

وتداعــى لموتــه وتجلّـى
كيف يا موت جئْتَ من غير داعِ

أيهــا الموت لو عدلت قليلاً
كان أولى بأن يموت الراعي

04qpt899

 أنت صاحب مصطلحات شعرية ونقدية كثيرة تُسجل لك كبراءة اختراع، هل تذكر لنا بعضها مع تفسيراتها؟

قلت في إجابة سؤال سابق: لا أحتمل الثبات في اللغة، فكلُّ مملوك مملول، والمفاهيم الشعرية والنقدية شأنها شأن اللغة الشعرية لا بُدّ من تجديد دمها وأساليب صياغتها، وفي كتبي النّقدية ومقابلاتي الشعرية حزمة كبيرة من هذه المفاهيم التي أمارس عليها لعبة الانزياح والاشتقاق، فمصطلح التناص بات سائداً منهوكاً فاقترحت مصطلح [النصنصة] وهو جائز كالخصخصة في المفاهيم الاقتصادية. وفي كتابي ترجيعات النصوص منظومة جديدة من مثل: البسْتنة اللغوية، والصيرفة اللغوية، والمزارعة اللغوية وأخلاق الكلمات وأمزجتها، والحياكة اللغوية وغير ذلك من المسمّيات.

لغتنا العربية غنية فوق حدود تصوّرنا، لكنها تحتاج شجاعة إبداعية لاستثمار قدرتها على التجدد والتصريف والإزاحة.

إن كل أديب مبدع يتحمل مسؤولية تلقائية في ابتكار مفاهيم وصرافات تلائم طبيعة المعاصرة وطبيعة اللغة نفسها.

لنتأمل هذه السردية الصغيرة مثلاً:

«ذات حياء. جلست على قارعة النساء أستطلع رائحة الأنوثة، وعلى حين يأس مرت من على بعد شهقة مني امرأة ذات قوام من طراز نادر، تمشي على مهل كأنها واقفة. قلت في قارورة نفسي: ليتني ألبسها، سمعتني…».

كذلك في كتيب «هويتي الشعرية» مزيد من تعريفات مقترحة للشعر والشاعر والقصيدة من مثل:

- الشاعر اختصاصي علاج طبيعي بأعصاب اللغة.

- القصيدة: شجرة سقطت من ثمرة.

وفي الكتاب كذلك مواقف شخصية أسعدتني، تحدثت فيها عن ردود أفعال بعض القراء تجاه قصائدي وكيف أثرت إيجابياً في حياتهم الشخصية وسعادتهم، كالشاب الذي سرق قصيدة لي وشارك فيها في مسابقة وفاز، وكانت الجائزة المالية سبباً في إتمام تعليمه وسعادته.

images

 كُتبت عنك وعن شعرك العديد من رسالات الماجستير والدكتوراه وكذلك الكثير من البحوث النقدية، بماذا تُفسر هذا الاهتمام، وهل لنا أن نتعرف على أهمها بالنسبة لك؟

طبعاً أنا ممنون لكل باحث أو ناقد أو دارس تناول شعري بالتحليل والإضاءة النقدية، وأعترف أن أغلب تلك الدراسات كانت جادة أسهمت في تقديم تجربتي الشعرية إلى القارئ العربي.

أما سبب هذا الاهتمام الكبير فهو فيما أحسب أسلوبي التعبيري في التعامل مع اللغة العربية ولا سيّما جرأتي في النحت والاشتقاق والتعريف، ثم اعتمادي المفردة البسيطة المأنوسة في صورة بعيدة شجاعة جديدة… كما أنني من العاشقين لفن استخدام الموسيقى الشعرية في القصيدة، يزاد على ذلك تلك الملامح الفلسفية الشفيفة في شعري.. وأسباب أخرى لا أعرفها.

وقد تناول شعري بالدراسات نخبة من النقاد العرب أعتز بمرئياتهم من أمثال: عبد القادر القط وأحمد كمال زكي ومحمد صالح الشنطي وضياء خضير ومحمد آية مبهوب وأسماء أُخرى. كما نوقشت عدة رسائل جامعية تناولت دواويني بعنوانات مختلفة مثل: السيرة الشعرية عند راشد عيسى، أدب الأطفال عند راشد عيسى، التشكيل الأسلوبي في شعر راشد عيسى، المختلف والمتشابه بين السيرة الشعرية والروائية عند راشد عيسى، على أن الباحثة الأستاذة سهى نعجة كانت أوفر الدارسين عمقاً في التحليلي البنيوي للغتي الشعرية، وقد توجت رؤاها تلك بكتاب خاص اسمه «شعرية المعمار اللغوي» عبر فصول ثلاثة حللت اتجاهات البنى في قصائدي وكان لديوان حفيد الجن نصيب كبير من الاهتمام.

على أن الأديب الكبير محمد سمحان قدم أعمق دراسة عن الصورة الشعرية وتميزها واختلافها عن المطروح في الساحة الأدبية وذلك في مختاراتي الشعرية «عرف الديك». 

441-1

 حين تلتقي العمالقة تتولد الحمم من البراكين.. صف لنا لقاءك مع الشاعر الكبير عبد الله البردوني والقصيدة التي أهديته إياها وكيف تُفسر مقولة بعض المحبين عنك: أنك من أبكيت العمالقة..

أوتيت حظاً جيداً من علاقتي مع أساتذتي الأكاديميين أو المبدعين الكبار، ومن خلال أحاديثنا كنت أقرأ عليهم بعض قصائدي، ففي إحدى محاضرات الدكتور إحسان عباس شعر طلبة الدكتوراه وكنت أحدهم أن الدكتور مرهق ولا بُدَّ أن يستريح قليلاً، إذ كان ذلك الموقف والدكتور يناهز أواخر الثمانين، ففي تلك الاستراحة قرأت قصيدة السراج، وعندما انتهيت انسكبت دموعه حتى صارت نشيجاً بسبب تأثره بموضوع القصيدة وهو ذوبان العمر. ومن تلك القصيدة:

عندي سراجي قديم في طفولته
ما ضاء لي قَدْرَ ما ضوّى على غيري

عشنا معاً تحت سقف السهو يجمعنا
جرح ينازفنا من غير أن ندري

بالأمس صادفتـه أسيـان منكسـراً
وهو الذي كان ضد الريح والكسر

ناسـَتْ فتيلتـه تبكــي وشعلتُهـا
خيط من النور أعمى ناحل الظهر

أبّنْتُــهُ مــن دمـي شعراً لأوقظه
فما استجاب ولا أصغى إلى شعري

سقطتُ من دمعتي أبكــي بـلا سببٍ
كما هوى الجسر من سهوٍ إلى النهر

لم أدرِ حين شربت الدمع من عطشٍ
أن السراج الذي أبّنْتُهُ عمري

وفي أحد مهرجانات جرش التي شارك فيها الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني كنت أحد المشاركين الشباب، فتعمدت أن أهديه قصيدة بعنوان «الأعمى» فبعد أن سمعها خرجتْ من حلقه حشرجة بكائية عميقة وعانقني وهو يبكي بحرارة، ومن أبياتها:

أعمى ولكنْ قلبه الأفُقُ
وخيولـه اطمئنانهـا قلقُ

هو بذرة المعنى وليس لكم
أن تسألوهـا كيـف تنفلقُ

في صدره الأمطار هاطلةٌ
وعلى يديـه الشمس تندلقُ

فتراه إذ خشعت قصيدته
صلّى لحبر حروفها الورقُ

متوحّد بطقــوس زنبقةٍ
برحيقهـا يحيـا ويحترقُ

لا يسنـد العكـاز قامته
فبـأي عكـازٍ تـرى يثقُ

وهو الذي من يوم مولده
خنستْ بكعب حذائه الطرقُ

أما الشخصية الثالثة فهي فدوى طوقان التي كنت أقرأ عليها محاولاتي المبكرة في الشعر حين أذهب إلى منزلها في نابلس، وفي ذات مقالة تحدثتُ عن علاقتي بها وكيف كنت أقفز عن سور بيتها لأدخل حاملاً بيدي باقة ورد حمراء، وأذكر أن أول مرة أهديتها ورداً كانت بسبب ما عُرف عنها أن أهلها منعوها من إكمال الدراسة لأن أحد التلاميذ أهداها وردة حمراء.

وأذكر أن الزيارة الأولى لبيتها سببت لها حزناً سعيداً جداً عندما قلت لها، سامحيني هذه الباقة سرقتها من محل لبيع الأزهار فليس معي عشرة قروش لأشتري ورداً.

ولمّا قلت لها بحماسة ابن الثامنة عشر:

فدوى فديتك يا أختاه بالقلمِ
فإن تنكرّ لي فاستبشري بدمي

بكت كما يبكي ينبوع يبحث عَن مخرج من بين الصخور.. وبكيت أنا كذلك.

في المقالة ذكرت هذه القصة في جريدة الفينيق فاتصلتْ برئيسة التحرير آنذاك سعاد الدباح، وراحت تبكي على التلفون مرة أخرى.

441

 حدثنا عن وقع خبر وفاة نزار قباني عليك، ماذا فعل بك ؟

لن أنسى ذلك المساء الذي كانت فيه الشمس على وشك الغروب وأنا جالس عند جذع زيتونتنا الوحيدة أرتب دفتر القلب، اتصل بي صديق قائلاً: «أحسن الله عزاءك.. مات نزار قباني» ارتبكت وحضنت الزيتونة تلقائياً ودرت حولها وسألتها: هل مات نزار؟ أنتِ أدرى بذلك مني.

تناولت قلمي ورحت أواسي دموعه فتحولت الدموع إلى حبر، وخلال ربع ساعة كانت الدموع قصيدة قرأتها على أهل بيتي وعلى الزيتونة وعلى باب الحوش، ثم ذهبت على الفور إلى جريدة الرأي الأردنية وسلّمتها لمسؤول الصفحة الثقافة اليومية لنشرها غداً.. وبالفعل كانت أول قصيدة رثاء في نزار قباني لاقت صدى طيباً في الأوساط الثقافية..

كان نزار الأب الحقيقي لنا، علّمنا أن القصيدة منقوشة زعتر ساخنة وأن اللغة العربية نوع من أثاث بيوتنا، حقق نزار للقصيدة العربية نهضة واسعة جميلة، وضرب مثالاً فريداً في تخطي التابوهات اللغوية، فكثر حسّاده ومكايدوه ومناوئوه لكنهم لم يكونوا أكثر من عشاق شعره. كان أدونيس مشغولاً بترميز الشعر فيما انشغل نزار بجعل الشعر إفطاراً قروياً بسيطاً ولذيذاً.

فانشغل النقاد بشعر أدونيس وفكره في حين انشغل الجمهور العربي بشجاعة نزار في تحويل القصيدة إلى حبة تفاح في يد طفل فقير. صار أدونيس شاعر النخبة القليلة المنبهرة وصار نزار شاعر العامة والشارع والمدرسة وبياع الخروب والفستق والورد. وقد سبق أن قلت «إن أغلب الذين يهاجمون شعر نزار هم أنفسهم من يضعون دواوينه تحت وسائدهم في غرف النوم».

قلت من تلك القصيدة:

عذراً نزار فما أتيتك راثياً
لكنْ لمثلك تخجل الأعذارُ

غمَّسْتُ حبري بالندى وشربته
خمراً لتسكر في دمي الأشعارُ

فلأجل عينيك البحار تنهَّدت
حزناً وعافت ماءها الأنهارُ

ولأجل عينيك الورود بكت دماً
وتحممت بدموعها الأشجارُ

إن كنت يا قمر القصيدة راحلاً
فبـأي عـذرٍ ترحلُ الأقمارُ

لك في دمشق خزائنٌ من مجدها
وبكل دار في العروبة دارُ

عُدْ يا نزارُ فما أظنّك ميّتاً
أبدًا، فكل العاشقين نزارُ

 ما سر علاقاتك بأبي العلاء المعري، وماذا قلت له ؟

المعرّي أهم مدرسة شعرية عربية جعلت الشعر مرآة للفلسفة، ولا سيما أسئلة الوجود، وأزمة العلاقة الأزلية بين الإنسان والموت. لم يكن شاعرًا فحسب بل صاحب رؤيا كونية متقدمة، وعالم أصيل في اللغويات العربية وماهية الشعر. ولعله أول شاعر عربي قدّم نموجاً سوريالياً فائقاً قبل ميلاد السوريالية الحديثة بألف سنة ويزيد، وذلك في رسالة الغفران التي حاكاها الشاعر الإيطالي دانتي في الكوميديا الإلهية. أحببت غربة المعري وجسارته في تحميل الشعر رذاذاً فلسفياً ممتعاً كأنه الندم السعيد:

تحطمنا الأيام حتى كأننا
زجاج ولكن لا يعاد له سبْكُ

لقد واجه عماء الكون ببصائره، ومنارات فؤاده، ونجوم قصائده التي لم تجامل واقع حالها بل ثارت عليه وأدانته، لذلك مال بعض السُّذّج إلى اتهامه بالزندقة، فقامته الفكرية والإبداعية أحرجت مجايليه من الشعراء وعلماء اللغة، وقد ناجيته مراراً وقلت من إحدى قصائدي:

سيدي يا أبا العلاء المعري
ما عنى جرحك البعيد عناني

جئت أشكو إليك عتمة روحي
علَّني اليـوم أتقـي هيلاني

جمرُ ماءٍ دمي وصمتي رياحٌ
ولهيبي ندى وشعري دخاني

ألفُ ذئب ينوح بي يا صديقي
ويــداري نواحها عنفواني

أنت أولى بأن أبيحكَ عمري
أنت أحرى بأن تعيش زماني

أو فخذني إليك جرحاً جديداً
واسْتضفْني ولو لبضع ثوانِ

فحروفي ليستْ سوى زهر نارٍ
خائن اللون والشذا والمعاني

كل دمع له إذا نزَّ عينٌ
فاعذرَنّي فدمعتي في لساني

 لديك العديد من الدراسات النقدية في فن العروض والتي خصصت بها شعراءً كباراً: مثل محمود درويش وأدونيس.. عَرِّفنا عن ميزة الاختلاف في هذه الدراسات.

للحقيقة، لأبي فضل عليَّ لا يُنسى فهو الذي وهبني للموسيقى منذ صرخة مولدي، حيث تناولني من حضن أمي وراح يعزف في أذني بالناي معزوفات شجنية متتالية تذكر أمي منها: معزوفة عواء الذئب، معزوفة الينبوع الحائر، معزوفة السنبلة.. وهكذا كبرت على ألحانه في الناي والربابة والأزجال الشعبية والأغاني الفلولكورية، الأوف والميجانا والعتابا ورقصات الدبكة الشمالية.. حتى حسبت الموسيقى نوعاً من الصلاة وشكلاً من أشكال الطب، وأنها العزاء الأجمل لضجيج الصمت المقهور.

تعمقت صلتي بالموسيقى.. ولما تبصرت النقلة الإيقاعية الأهم في شعر التفعيلة، استقصيت توظيفها لدى الشعراء الرواد من مثل السياب وأدونيس وصلاح عبد الصبور.. وأصبح لدي أفكار مهمة تتعلق بما أنجزته التفعيلة من إضافات موسيقية عُرف بعضها، وبعضها الآخر ما زال منسياً.

فدرست تفعيلة «فاعلن» عند صلاح عبد الصبور عبر العودة إلى الدرس العروضي القديم، فوجدتها في الشعر القديم مهملة في بحرها الأصلي «المتدارك»، وأن الأخفش استدرك (الخبب) «فعْلن، فَعِلن».. وأن الشعر الحديث أعاد لفاعلن حضورها القوي في شعر رواد التفعيلة.. ثم درست تناوب فاعلاتن ومستفعلن في شعر أدونيس وصوّبت أخطاء الدارسين الذين توهموا أن ذلك التناوب هو شعر منثور أو هو تفعيلتا «فاعلن وفعولن» وهكذا.

للحق فإن ما تم تحقيقه من إضافة إيقاعية لبحور الشعر العربي لم يدرس حتى الآن بصورة موضوعية علمية دقيقة.. وها أنا أحاول ذلك.. وآخر بحوثي العلمية في ذلك «تشكيلات متفاعلن في شعر دوريش» وقد بينت غنى هذه التفعيلة التي بلغ عدد زحافاتها أحد عشر زحافاً جائزاً، وقد كانت متفاعلن أوفر التفاعيل استخداماً عند درويش بسبب مرونتها وقدرتها على تحمل تجزيئها، وكثرة حركاتها القصيرة والطويلة.

وتبين لي أن شعر التفعيلة يمكن أن يكون وسطاً جمالياً أسلوبياً بين شعر البحر وما يسمى بقصيدة النثر.

موسيقى الشعر العربي أغنى مما يتصوره الدارسون، وثمة اكتشافات كثيرة في هذا المجال أسعى إلى إصدارها في كتاب.

 في منهاج حياتك تترسخ قيمة الحرية لديك كأيقونة تميز كتاباتك ومفاهيمك، خبرنا عن معنى الحرية لديك.

الحرية سعت لي ولم أسْعَ لها، فقدري أن أولد في كهفٍ جبلي حر، لأسرة رعوية حرّة، وأن أعيش طفولة واسعة الشقاء أكدت لي منذ كنت في العاشرة أنني طائر بري لا حاجة لي بما يسمى الزمان، أو المكان، أو المبادئ «الأيدولوجيا».. هذه الحرية التي انغمست بها مبكّراً جعلتني لا أريد من هذه الدنيا سوى عافية جسدية بسيطة وقلم يسيل حبراً لأكتب الشعر.. شعرت أن الشعر قيمة جمالية تجسد معنى الحرية في التخييل وفي اللعب اللغوي وفي صناعة المعنى وتطريز الدلالة والصورة.. حتى السؤال الوجودي بات ملعباً حراً في قصائدي، لا تهمني الإجابة إنما أعيش على لذة الأسئلة، فماذا أريد من كون ولادته وهْمٌ وصيرورته وهْمٌ ونهايته مجهولة بالإيهام.

لم أعش يوماً عبداً لقيمة غير الحرية، والجمال، والاندهاش السعيد أمام أخلاق الدنيا.. ربما أكون من سلالة الزهاد الأقوياء، وقد انعكس موقفي الوجداني من قداسة الحرية على شعري لأنه موقف من معنى الوجود ومغزى الجمال.. ومع توالي الانفعال الشعري أصبح الوهم لدي معادلاً للحرية. لقد بتُّ معتقداً بالجزم بأن الحب حرية والمعرفة حرية والشعر حرية، وهذا الثالوث أعده سبب بقائي حياً على ذمة القصيدة، ومن هنا صار شعاري:

وحصاني إن يعطش يرضعْ غيمةْ
حتى لا يشربَ من نبع يعرفه الوُرّادْ

وإذا ضجرت ربّة شعري تمرطُ نجمةْ
وتوزّع نصف النور على الحسّادْ

ولذا عشت وحيداً في خيمةْ
أبنيها فوق الرمل بلا أوتادْ

وأجرؤ دائماً على الزعم:

حقاً أنا بعافيةْ

حقاً أنا في قمة الرفاهيةْ

وزني رشيق مثل سنبلةْ

وليس في دمي دهن ثقيلْ

اسمه الكراهيةْ.

 كل ملامح ومشاكسات الطفولة تظهر جلية في قصائدك المكتوبة وكأنك تسرد تاريخك الطفولي الممتد، أو كأنك تحاكي وجودها الدائم في دمك.. وأنت من أوائل النقاد في أدب الطفولة، ولك رواية مشهورة سبق أن فازت بجائزة مهمة.. نريد أن نلقي الضوء على هذا الجانب في مسيرتك الأدبية..

في مرحلة الطفولة نؤسس موقفنا الأول من الحياة، إنها الزمن العذب النقي.. فالطفولة أحلام حرّة، وسذاجة، ولا مسؤولية، ولعب طليق، وإهمال للعقل والرشد.. إنها زمن البهجة الخالصة لا يتبعها ندم ولا أسى.. وطفولة الشعراء والفنانين إنما هي مصادر إبداعهم التي لا تنضب أبدًا.. فالشاعر يعيد إنتاج الزمن الطفولي بأسباب الرشد. ولا أحسب شاعرًا أصيلاً يتخلىّ عن استرجاع طفولته ولو فعل ذلك لما استطاع، لأن الطفولة حنين دائم إلى الخلود، وإلى الدفاع عن الحياة ضد ضرورة الموت.

ولما كانت طفولتي شقية بامتياز، ومنوّعة بامتياز.. فلقد بتّ أستدعيها في شعري تلقائياً، لأنني بذلك أعيش الطفولة مرتين، وأعيش مقترح الحرية بأجمل معانيها واتساعاتها اللامحدودة.

عندما كنت في العاشرةْ

كنتُ أطفئ شمس الظهيرة في نفخةٍ واحدةْ

أتقافز بين النجوم على قدمٍ واحدة

آكل كوْماً من التوت في لقمةٍ واحدة

ألُمُّ الغيوم بكفي وأعصرها قطرةً واحدة

وأجمع حزن المساكين في الكون في دمعةٍ واحدةْ

وها أنا لمّا قطعت من العمر مسافة ستين جرحاً.

وأكثر

ومتُّ من القهر ستين موتاً وأكثرْ

وأصبح عقليَ ستين طناً وأكثرْ

تفرقتُ عني

عجزتُ أصيرُ كما يتمنى أبي رجلاً عاقلاً

مرةً واحدةً

ولذا لم أزل واقفاً عند باب الندمْ

أُبلْسمُ بالشعر جرح الحياةِ

أنادي على دولتي عندما كنت في العاشرة.

 كنت من أوائل من كتب عن أدب المرأة في الخليج العربي وألفت كتاب: معادلات القصة النسائية في السعودية وكتاب: قصيدة المرأة في المملكة العربية السعودية، ما هي الأسباب الذي دفعتك لذلك وكيف كانت أصداء هذه الكتب في مثل ذلك الوقت حيث كنت مبادراً في هذه الخطوة..

عشت منذ أواخر السبعينيّات حتى أواخر الثمانينيّات أوج النهضة الأدبية في الخليج عامة وفي السعودية بخاصة.. وقد التمعت أسماء أدبية مهمة لا تقل في مستواها الفني عن مثيلاتها في مصر والشام والعراق والمغرب غير أن فئة من أصحاب الأفكار الخلفية المتكلسة هاجموا تلك النهضة بعنف فتراجع المدّ الثقافي الإبداعي الجسور إلى جهة الصمت.

وقد سجلت الأديبة السعودية ساردةً وشاعرة حضوراً لائقاً من الإنتاج الإبداعي، ولما كنت مواكباً للبذور الأولى ومعايشاً للحراك الثقافي فقد أصدرت كتابي [ معادلات القصة النسائية السعودية ] لأؤرخ للأصوات السردية التي كسرت الأقفاص وتعلمت الطيران، فالتعلم الذي حظيت به الفتاة السعودية مكّنها من الاستنارة وتشوّف الأفق والمشاركة في اقتراح الحياة الأجمل.

وعلى الصعيد الآخر وبعد اثني عشر عاماً أصدرت كتابي «قصيدة المرأة في المملكة العربية السعودية» وفيه أرّخت لمسار شعر المرأة وناقشت بالتحليل الفني وبمنهج جمالي أساليب الشاعرات واتجاهات شعرهن، فكان الكتابان إسهاماً ضرورياً في تعريف القارئ العربي بشعر المرأة وقصصها في السعودية.

كما كنت من أوائل من بشروا بتميز الأديبة السعودية إذا أخذت حصتها الكافية من الحرية التعبيرية، فالموهبة الأصيلة تنبع من الرمل، ومن الصخور النارية، ومن الأسيجة. والناظر إلى إنجاز الأديبة السعودية الآن في مجال الرواية يصاب بالدهشة لغزارة المنجز الروائي المتواصل.

 الخطاب الصوفي في الشعر المعاصر ووساطة الشعر في التسامح الديني: كتابان يمثلان ملامح فلسفتك العميقة ووجهة نظر ثقافية في قالب أدبي وبقلب شاعر، ما الخطوة القادمة في هذا المجال؟

التصوف العربي كما عرفناه عند ابن عربي والحلاج والنفري والبسطامي نزعة فلسفية فكرية خاصة وأدبية استثنائية، ودينية فريدة.. ولها تماس مع الصوفية الوجودية كما عرفناها عند هيدجر وكير كيجرد، وقد ظهرت نزعة التصوف الوجودي في حالة فنية متميزة عند أدونيس وسامي مهدي وعدد من الشعراء العرب.. في هذا الكتاب رؤى تطبيقية تحليلية في الاتجاه الصوفي في الشعر المعاصر لعدد من الشعراء العرب والغربيين كالروسية (تسيفيتايفا). وما زال هذا الكتاب يدرس في بعض الجامعات العربية، وفيه تنظير تأصيلي لعلاقة التصوف بالأدب والفلسفة والدين.

 ترجيعات النصوص: أحد أهم كتبك المتميزة، تجول بنا فيه من أعماق الكرة الرضية لمتاهات الكون وكذلك بين الشعر والنثر والقصة القصيرة والنقد الأدبي ومفهومك الذاتي الفلسفي عمَّا تطحنه لنا من سُكر الإبداع والتميز..و خصوصاً في نص انخطاف، أكاد أجزم أن حالة الهذيان الإبداعي كانت تستولي عليك في مثل هذا النص بل قل والكتاب عموماً..ما تعليقك ؟

هذا كتب يضمّ أربعة أنماط أدبية، الأول شطح أدبي في مديح الذات اللغوية وجمالياتها، والثاني ديوان شعر، والثالث: رسائل وجدانية أدبية، والرابع سرديات من القصص القصيرة. على أن ما يجمع هذه الأنماط هو البوح الإبداعي الواحد الذي يتلاعب بالمفردات والتراكيب وينقلها إلى فضاءات من الذهول والغرائبية التعبيرية.

وهو كتاب نادر في تبويبه ومحتواه، ينتصر إلى المخيال الأدبي الشجاع. أردت به أن أجدد في هيكلية الكتاب الأدبي المعاصر فيكون الكتاب الواحد مجموعة كتب تمثل سجاياي الأدبية.

أختار من صفحاته هذه السطور:

« لا تسأليني لماذا أحبك بكل هذا الفيض والذهول والدهشة واللامعقول فمتى كان للحب أسباب؟ هل يُسأل النهر لماذا يتدفق بجنون؟ والشمس لماذا تضيء؟ والغيوم لماذا تمطر؟ والنخلة لماذا تثمر؟ والنحلة لماذا تصنع العسل؟ هل تُسأل الشعوب لماذا تقيم احتفالاتها عندما تتحرر؟ والندى لماذا يتساقط على الزهر؟ هكذا هو الحب يا حبيبتي إجابة تحرج كل الأسئلة، وجنون لا ينفع معه العقل. الحب إذن انتصار على كل عبودية وقلق وجراح، الحب نضال لذيذ من أجل الحرية، وحمامة تضرب بمنقارها بندقية الصياد. ورصاصة تتحول زنبقة أو قلماً أو ريشة رسام أو قوس كمان أو رغيفاً أو صفارة في فم طفل حزين»، ومن نماذج الشعر في الكتاب:

خذي فراشتك البيضاء واحترزي
من أن تطير فتغويها مصابيحي

هذا أنا كل ما في الأمر ليس أنا
إلا أنا كأنا لا جسمَ في روحي

شمسي بكفي وأقماري على كتفي
والليل يرجف خوفاً من أصابيحي

والعمر مليون باب لا بيوت لها
ماذا عليّ إذا ضاعت مفاتيحي

حلْمُ الطفولة بيتــي لا أغادرهُ
ما زلتُ ألعب ما بين الأراجيح

ولم تعكر دمــي البريّ عقلنةٌ
أخشـى مــن الرشد أن يعتاد تجريحي

أنا متاهـة أضــداد مرمّزةٍ
والشعر أوّلني من غير توضيحِ

قلبي شقيق لقلب الريح فانتبهي
ولتعذري رجلاً في ذمة الريح

  أين أنت من هذه التعابير الدارجة والمتداولة على الساحة الأدبية اليوم مقارنةً بأعمالك وإنجازاتك:
الشللية الأدبية، قصيدة النثر، شعراء مواقع التواصل الاجتماعي، مهرجانات الشعر والجوائز، الألقاب.

لم أدخل قط في أي حوزة أدبية مما يسمى «الشلل الأدبية» عشت مع قصيدتي وجرحي مكتفياً ببيوت روحي، غير مصدّق بما يمكن أن أسميه «بالأدب الجماعي» الجماعات الأدبية سرعان ما تنفرط، لأن قلوب أصحابها على الأغلب أنانية، كل يسعى لمجده الخاص متظاهراً أنه عضو فاعل في الجماعة. ثم إن الأدب العظيم حالة فردانية خاصة، وغالبًا ما يبرز من الجماعة الأدبية واحد فقط والباقي يعيشون ظلالاً من الدرجة الثانية.

قصيدة النثر: مقترح جمالي مشروع لكنه لا يحمل أسباب ديمومته، فحين يفقد الشعر فطرته الموسيقية يذبل ويتخشب ويؤول إلى الزهايمر. سبب عدم نيل قصيدة النثر استحقاق البقاء والذيوع هو ندرة المتميز من نصوصها بمعنى أنها لم تستطع أن تؤكد هويتها حتى الآن ولن تستطيع. كما أن أرتالاً من أرباع الموهوبين يمارسونها عن ضعف فني وليس عن قناعة جمالية.

شعراء مواقع التواصل الاجتماعي:

لست مغرماً بمثل هذه المواقع، فهي على الأغلب لصغار الشعراء ولمن لا يملكون شهرة إبداعية حقيقية. وثمة نصوص متبادلة بينهم تشبه العطور المغشوشة. هناك حسن نيّة لدوام التواصل لكن حسن النيّة لا يصنع مبدعين.

مهرجانات الشعر:

ضرورية جداً، فهي المثير الأجمل للحراك الشعري إبداعياً، ومنها نتعرف على شعراء جدد، فهي محك اختباري قوي للطاقات المبدعة. إيجابياتها أوسع من سلبياتها.

الجوائز:

أيضًا ضرورية للشاعر، فهي تحسّن من وضعه الاقتصادي، لماذا يظن الناس أن على الشاعر أن يعيش فقيراً ويموت فقيراً. الجوائز تشجع الشعراء على الإنتاج الجيد المحكك وتزيد من اهتمام الأدباء باللغة العربية معرفة وإنتاجاً.

الألقاب:

أغلب الألقاب التي تمنح للشعراء مغرضة، لكن بعض الدول أو الحوزات الثقافية تصنع نجماً لأهداف غير إبداعية. أنا ضد الألقاب إذ لا شاعر أفضل من شاعر بل ثمة قصيدة أفضل من قصيدة. الألقاب أوهام وبخاصة إذا كانت ذات مرجعية سياسية خفية.

 ما أو من هي القصيدة التي تكتب راشد عيسى؟!

كل قصيدة مشروع حلم. في الحياة وتفاصيلها آلاف القصائد المكنونة التي تنتظر الشاعر. والشاعر جسّاس نسّاس حداّس عينه صيادة وأذنه قناصة، لأن كينونته استبصارية بليغة الذكاء فهو شمّام بصّار سمّاع بامتياز، وشاهد على كيمياء النفس وحركة نسغ الشجرة بين الأغصان، ومسيل دمعة في فم طفل يبكي، القصائد العظيمة تنادي على الشاعر العظيم مثلما تنادي أم على طفلها الذي ابتعد عن البيت. حين أكتب قصيدة أشعر أني أعيد ترتيب أحزان البشرية من خلال أناي. أنا الشاعر هي أنا جمعية وإن بدت مفردة مستقلة.

من الذي كتب الآخر أنا أم القصيدة؟ سؤال دائم.

لا أطلب من القصيدة جاهاً أو شهرة أو مكاسب دنيوية إنما أطلب منها ألا تفارقني ما دمت حياً، فهي مسوّغ حبي للحياة ولولاها لكنت مزهرية مكسورة. لا حياة لي خارج معنى الشعر وأسبابه وكراماته. كتابة الشعر تطهير للآلام. القصيدة جنسيتي الأولى، هويتي، جواز سفري، حبيبتي، أمي شربة مائي، رغيفي:

إنْ لم أمتْ في الشعر كل دقيقةٍ
فبأي أســــــــباب الحياة أعيشُ؟

14384156_641804549322381_1869137964_n

————
عن مجلة الرابطة الثقافية – العدد الأول

تعليقات الفيسبوك