بائع الكعك – هناء عبيد

17 أكتوبر, 2015

قصة قصيرة

أبو أحمد (بائع الكعك)

download

 

صحونا على صوت آذان الفجر ، كما دائمًا ذلك الصوت العذب الذي يثير الشجن في أرواحنا ويوقد مكامن الإيمان في نفوسنا ، بعد أن انتهينا من أداء صلاة الفجر، قمنا بتحضير الفطور، أعددنا الشاي الذي انتشرت رائحته ممتزجة برائحة النعناع المنعشة في أرجاء البيت ، كنا في انتظار ذلك اللقاء اليومي الذي اعتدناه مع أبي أحمد “بائع الكعك ” الذي تنتظره شقاوة الطفولة في كل صباح. كان الطقس جميلا، السماء صافية ، نسمات الصباح منعشة وأشعة الشمس تتسرب عبر النوافذ لتنهي ظلام الليل. صوت السيارات قطع الهدوء الذي كان يسيطر على المكان ، بدأ الناس يومهم كما دائما ، بعضهم بنشاط ملحوظ وبعضهم الآخر بصعوبة واضحة. كان المشهد الرائع ينتظر أبا أحمد وهو يضع صينية الكعك على رأسه ، ويحمل المسند الخشبي بيده .

كان أبو أحمد بالنسبة لنا الوطن الذي تستمتع الذاكرة باستحضاره ، كل خط رسمته لفحات الزمن على وجهه كان يشير إلى حارة من حارات القدس العتيقة التي كانت شاهدة على شقاوة طفولتنا . عيناه الضيقتان اللتان تحيط بهما خيوط الزمن لم تستطيعا أن تخفيا حزنا دفينا رغم محاولتهما اختطاف بسمات من وراء ضوء يوم شاق. حتى نبرات صوته كانت تشدو بأغاني طير حزين اشتاق إلى عشه. كانت أصابع يديه تظهر لنا وكأنها ما تزال تطبق على المعول الذي كان رفيق صباحه في الحقل، أما كوفيته البيضاء الموشحة بخطوط سوداء فقد كانت تلتف حول عنقه أيام الصيف كغصن زيتون يعانق طفلا استظل بأوراقه. وأكثر ما كان يثير فضولنا ودهشتنا ذلك المفتاح الذي كان يحتفظ به دوما ويصر أن يكون لنا نصيب في رؤيته، إنه مفتاح داره ، الذي تراكم عليه صدأ السنين، لكنه ظل قويا صامدا أمام قسوة الزمن ، كان يربطه بخيوط حريرية مجدولة تحمل لون العلم الفلسطيني وكان يخبئه في جيبه القريب من قلبه .

كنا ندعوه أبا أحمد كما كان يتمنى ، رغم أن القدر حرمه من نعمة الأولاد . أبناء الحي الذي يقطنه كانوا جميعا أولاده وأحفاده. كانوا يلتفون حوله كل صباح لشراء كعكه اللذيذ ” كعك القدس” كما كان يطلق عليه، كان بعضهم يراوغه بالكلام ليتمكن الآخرون من خطف كعكة منه دون أن يلحظهم ،كان يراهم ويخفي ابتسامته الطيبة ليرضي شقاوتهم وهو يهديهم ألذ ما جادت به نفسه الكريمة. أما حكاياه فقد كانت تروي لنا حدوتة صمود أرض، وتسجل تاريخ معاناة شعب بأسره في أذهاننا كما تنقش الريح بصماتها في الصخور. كل حكاياه كانت تشبهنا ، في طفولته ، شبابه، معاناته ، تشرده ، غربته

عشنا معه سنوات عمره في دير ياسين، حينما كان يحمل معوله ويتوجه صباحا ليعانق شجرات التين والزيتون بأصابع تمرنت على لمسات الحنان في معانقة الأرض . أخبرنا كيف التقى بأم أحمد أجمل صبايا الحي حينما كانت تملأ جرتها من بئر الحي ، بينما كانت تتدلى ضفائرها المجدولة بأشعة الشمس الأصيلة على ظهرها، حضرنا معه عرسه وشاهدنا الدبكة الفلسطينية وسمعنا زغاريد فلاحات الحي واستمتعنا بجمال نقش الحناء على يدي أم أحمد.

وكم كان ممتعا أن نتابع معه مشواره مع أم أحمد عندما تعاونا في بناء دارهما الممتلئة بالدفء والتي أعداها لاستقبال أحمد أول ذريتهما كما كانا يحلمان. لم يمض على أحلامهما أكثر من عامين حتى حلقت في سماء القرية غربان الشؤم، حينما اقتحمت القوات الصهيونية الغاشمة القرية في العاشر من نيسان عام 1948 حيث قامت بإطلاق الأنوار الكاشفة في الفضاء احتفالا بمقتل القائد عبد القادر الحسيني ومحاولة تمويه أهالي القرية حتى لا يتمكنوا من إدراك ما كان ينتظرهم من مصير مجهول، بعدها بكت القرية أهلها ، حينما شهد التاريخ أبشع مجزرة إنسانية ، كانت دموع أبي أحمد تتواصل بينما كان يروي لنا كيف تفاجأ أهالي القرية بالمجموعات الصهيونية التي قامت باقتحام القرية، روى لنا كيف قتل صديقه صاحب المحجرة بدم بارد برصاص العدو، كيف تم إلقاء صاحب مخبزالقرية في الفرن ، كيف تم قتل عائلات بأسرها برصاصات لم تعرف معنى للرحمة، حدثنا عن جثث الأطفال التي ترامت في الطرقات بعد أن أصابتها الرصاصات على مرأى من ذويها، حدثنا عن الشيخ العاجزالذي ألقي من الطابق الثاني ليلقى حتفه ، قصص تقشعر لها الأبدان وتشهد على مجموعات لا تعرف الإنسانية طريقا إلى قلوبها المتحجرة، مجزرة بشعة قضت على الكثير من أحلام فلاحين بسطاء كانوا يفلحون ، يزرعون ، يبنون. مجزرة أجبرتهم على التشتت في مختلف بقاع الأرض فمنهم من لجأ إلى قرى مجاورة ومنهم من هاجر إلى بلدان عربية وآخرون منهم ضمتهم غربة بلدان أجنبية. أما أبو أحمد فقد انتهى به المطاف في الأردن، ليبدأ مشوار أحلامه من جديد، وليشق طريقا لم يكن مزروعا بالورود. هذا هو أبو أحمد ذكرى جميلة مخلوطة بالألم والمعاناة والصمود .

لم تختلف أم أحمد عنه كثيرا فقد كنا نلتقي بها حينما كنا نفاجئ أبا أحمد بزيارتنا له في بيته المتواضع الذي أكلت الرطوبة جدرانه ،كانت تشبه جدتنا كثيرا وكانت تلبس ثوبا مزركشا بألوان زاهية يشبه ثوبها، يبدو أن الملامح الفلسطينية متشابهة فكلتاهما تحملان وجها تتضح فيه طهارة الأقصى، وكلتاهما تفوح منهما رائحة زيت الزيتون ، حتى يداهما متشابهتان، فكل إصبع فيهما كان يحكي رواية عشق مع الأرض. كانت تصر دوما أن نأكل من ” المناقيش” إحدى المعجنات التي كانت تتقن صنعها جيدا بيديها الماهرتين حيث رائحة الزعتر والزيت التي كانت تجتذب أحلى الذكريات .

تجاوزالوقت موعد أبي أحمد الدائم ولم نسمع صوته وهو يعلو مناديا :” كعك القدس” لكن الأمل راودنا من جديد حينما سمعنا طرقا على الباب . بدا لنا شاب في مقتبل عمره، لم ينطق بأي كلمة، مد يده إلينا بظرف صغير، فتحناه بشغف كبير، تراءى لنا من وراء دمعاتنا المنكسرة ” المفتاح”
رحمك الله أبا أحمد.

 

هناء عبيد

12074665_898169533607770_513575023607671103_n

تعليقات الفيسبوك