الخطبة الأشهر للحجاج بن يوسف الثقفي

20 مارس, 2014
الوسوم :

75603_10152189656558249_89491640_n

 

خطبة الحجّاج في الكوفة

مرّ الخبر أنّ عبد الملك لمّا ملك العراق ومعه أخوه بِشر بن مروان استخلفه على الكوفة ثمّ العراقَين
وفي أوّل سنة ( 75 هـ ) كان بالبصرة فمات وهو ابن نيّف وأربعين سنة .

فكتب عبد الملك إلى الحجّاج : أمّا بعد ، يا حجّاج ، فقد ولّيتك العراقين صدقة ،
فإذا قدمت الكوفة فطأها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة ، وإيّاك وهوينا الحجاز ! فإنّ القائل هناك يقول ألفا ولا يقطع بهنّ حرفا ،
وقد رميت الغرض الأقصى فارمه بنفسك وأرد ما أردته بك ، سِر إلى العراقين ، واحتلْ لقتلهم ؛ فإنّه قد بلغني عنهم ما أكره !

فتوجّه الحجّاج ومعه أربعة آلاف من أخلاط الناس وألفا رجلٍ من مقاتِلة الشاميّين .

فلمّا بلغ القادسيّة أمر الجيش أن يُقيلوا ثمّ يروحوا وراءه ،
ولبس ثياب السفر وتعمّم بعمامته ، ودعا بجمل عليه قتب فجلس عليه بغير حشية ولا وطاء !
وأخذ الكتاب بيده حتّى دخل الكوفة وحده فجعل ينادي : الصلاة جامعة !
حتّى صعد المنبر متلثّما متنكّبا قوسه ، فجلس عليه ،
وفي المسجد رجال جلوس في مجالسهم مع كلّ منهم العشرون والثلاثون وأكثر من ذلك من أهله ومواليه .
فمن قائل يقول : أعرابي ما أبصر محجّته ( طريقه )
ومن قائل يقول : حُصر الرجل فما يقدر على الكلام ! وقال بعضهم لبعض : قوموا حتّى نحصبه !

ودخل محمّد بن عمير الدارمي التميمي في مواليه ، فلمّا رأى الحجّاج جالسا على المنبر لا ينطق قال :
لعن اللّه‏ بني أُميّة حين يولّون العراق مثل هذا ! واللّه‏ لو وجدوا أذمَّ من هذا لبعثوه إلينا !
ثمّ ضرب بيده إلى حصباء المسجد ليحصبه فقال له بعض أهله : أصلحك اللّه‏ اكفف عن الرجل حتّى نسمع ما يقول .
فلمّا غصّ المسجد بأهله حسر اللثام عن وجهه ثمّ قام ونحّى العمامة عن رأسه وقال :

أنـا ابـن جـلا ، وطلاّع الثنايا
متى أضع العِمامة تعرفوني

ثمّ ما حمد اللّه‏ ولا أثنى عليه ولا صلّى على نبيّه !!

وقال : إنّي واللّه‏ لأرى أبصارا طامحة وأعناقا متطاولة ، ورؤوسا قد أينعت وحان قِطافها ! وإنّي لصاحبها 
كأ نّي أنظر إلى الدماء تَرقرَقُ بين العمائم واللحى ! 
هذا أوانُ الشدِّ فاشتدِّي زيمْ
قـد لفّها الليلُ بسوّاقٍ حُطَمْ

لـيس بـراعي إبِـلٍ و لا غـنَمْ
و لا بـجزّارٍ عـلى ظـهر وضَـمْ !

 

إنّ أمير المؤمنين نثر كنانتَه
فوجدني أمرَّها طعما , وأحدّها سنانا , وأقواها قداحا ،

فإن تستقيموا تستقمْ لكم الاُمور
وإن تأخذوا لي بِنيّات الطريق تجدوني لكلّ مرصد مُرصدا
واللّه‏ لا اُقيل لكم عثرة ، ولا أقبل منكم عُذرا . 

يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق والنفاق ، ومساوئ الأخلاق ،
واللّه‏ ما أُغمَز كتغماز التّين ولا يُقعقع لي بالشِنان ، ولقد فررت عن ذكاء وفُتّشت عن تجربة !
واللّه‏ لألحونّكم لحو العود ، ولأعصبنّكم عصب السلمة ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ولأقرعنّكم قرع المَروة !

يا أهل العراق ! طالما سعيتم في الضلالة ، وسلكتم سبيل الغواية ، وسننتم سنن السوء ، وتماديتم في الجهالة !
يا عبيد العصا وأولاد الإماء ! أنا الحجّاج بن يوسف ، 
إني واللّه‏ لا أعد إلاّ وفيت ، ولا أخلق إلاّ فريت ! فإياكم وهذه الزرافات والجماعات وقال وقيل وما يكون وما هو كائن ؟! 
وما أنتم وذاك يا بني اللكيعة ؟! لينظر الرجل في أمر نفسه ، وليحذر أن يكون من فرائسي !

يا أهل العراق أنتم كما قال اللّه‏ عزّ وجل : كمثل « قَرْيَة كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ »
فأسرعوا واستقيموا ، واعتدلوا ولا تميلوا ، وبايعوا وشايعوا واخضعوا ،واعلموا أ نّه ليس منّي الإكثار والإهذار ! ولا منكم الفِرار والنفار !
إنّما هو انتضاء السيف ثمّ لا أغمده في شتاء ولا صيف ! حتّى يقيم اللّه‏ لأمير المؤمنين ! أودَكم ويذلّ له صعبكم . 

إني نظرت فوجدت الصدق مع البّر ووجدت البّر في الجنة ! ووجدت الكذب مع الفجور ووجدت الفجور في النار .

ألا وإنّ أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أُعطياتكم ، وإشخاصكم إلى محاربة عدوّكم مع المهلّب !
وقد أمرتكم بذلك وأجّلت لكم ثلاثا ! وأعطيت اللّه‏ عهدا يؤاخذني به ويستوفيه منّي : 
أن لا أجد أحدا من بعث المهلّب بعدها إلاّ ضربت عنقه وانتهبت ماله ! يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين ! 

فقرأ كاتبه : « بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم ، من عبد اللّه‏ عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم »
فلم يردّ عليه سلامه أحد ، فقال الحجّاج للغلام : اسكت يا غلام ، ثمّ قال :

يا أهل النفاق والشقاق ومساوئ الأخلاق ! يا أهل الفرقة والضلال ! يسلّم عليكم أميرالمؤمنين ! فلا تردّون عليه السلام ؟! 
أما واللّه‏ لئن بقيت لكم لألحونّكم لحو العود ولاُؤدّبنكم أدبا سوى هذا الأدب!

ثمّ أمر غلامه باستئناف الكتاب فاستأنفه فلما بلغ السلام أجاب أهل المسجد : وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة اللّه‏ وبركاته !
ثمّ نزل وأمر للناس باُعطياتهم ، وضرب على الناس بعثا لنصرة المهلّب بن أبي صفرة الأزدي لحرب الأزارقة الخوارج بالبصرة والأهواز .

 

تعليقات الفيسبوك