أعذاق .. ديوان جديد لشيخ الشعراء سعيد يعقوب

20 مارس, 2014
الوسوم :

أعذاق

أعذاق

ديوان جديد يصدر للشاعر الكبير سعيد يعقوب عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع , ويقع الديوان في 258 صفحة وهو الديوان العاشر الذي يُتحف به الشاعر المكتبة العربية.
والمثير للانتباه أن الديوان فيه 142 نصًا بين نتفة وقطعة وقصيدة !!
والمثير للانتباه أيضًا ان الديوان قدّمه الأستاذ حيدر محمود بقصيدة نثرية ولم يلجأ إلى المقدمات التقليدية المعروفة.

يقول الأستاذ حيدر محمود :

(أخي سعيد
سأخرج عن تقاليد التقديم المملّ ,لأعذاقك التي ألقُها بألقِها , وروعتُها بروعتها , وأستعيضُ عن الثرثرة التي يمارسها النقاد بقصيدة أهديها إليك , تهديها بدورك إلى قرائك المحبين – وهم كُثر – لعلي بذلك أبدأ شيئًا غير تقليدي , في تقديم ديوان لصديق , أحبّه إنسانًا , وشاعرًا في آنٍ معًا.

جائزةُ الشاعر أن يرضى عنه الشعرُ
وأن يخضرَّ الورقُ إذا عانقه الحبرُ
فيغدو للّامعنى .. معنى )

سعيد يعقوب هو شاعر تقليدي متمسك بالعمود , لم يتزحرح عن عقيدته الفراهيدية التي ورثها عن أجداده العظام من شعراء العرب .

وكــمْ أمْـحـضْتُه نُـصحيْ ولـكنْ
أيـسـتـمع الأصــمُّ لـنـاصحيهِ ؟

وحين يئستُ منه نفضتُ كفي
وقــمــتُ مــعـزيًّـا فــيـه ذويـهِ

قوة في التركيب وجزالة في الألفاظ , وانسياب موسيقي جميل جدًا مع أنه يهجو !

ويظهر واضحًا للقارئ أن يعقوب هو شاعر عباسي في ثوب شاعر معاصر , أو شاعر معاصر في ثوب شاعر عباسي

إلا أن شعره بالتأكيد يختلف عن شعر أجداده العباسيين من حيث التراكيب والصور والموضوعات , وحتى البناء الفني للقصيدة .

فالتراكيب التي يستعملها يعقوب هي تراكيب قوية ولكنها أكثر مرونة وليونة , والصور التي يزين بها معانيه هي أكثر ألوانًا ومعاصرة وقربًا من ذهن القارئ العربي اليوم , والموضوعات التي يتناولها  هي أكثر تنوّعًا وامتدادًا في الوجدان , أما من ناحية البناء الفني للقصيدة فإن يعقوب يلتزم التزامًا شديدًا بالهيكل ولكنه يُلبس قصائده حلية لا يجيد صياغتها إلا هو وقليلون جدًا من معاصريه.

فـلـسـتُ أريـــدُ أمـــوالًا وجـاهًـا
ولــم أطـمـع بـشيء مـستحيلِ

ولـكـنْ أن يـكـون مـعـي حـبيبي
ونـسـلـمَ مــن أذى قــالٍ وقـيـلِ

بــكــوخ نـبـتـنـيه بـقـلـب غـــابٍ
نـعـيش بـظـله الـحـاني الـظليلِ

فهل أُعطى الذي أرجو وهل لي
إلـى تـحقيق ذلـك مـن سـبيلِ؟

تُــرى أم أنـنـي سـأظـل أجــري
وألـهث في مدى ليلي الطويلِ؟

رشاقة في الجملة النحوية , وعذوبة في الموسيقى , وسهولة في الألفاظ , ومزج بين التقليد والمعاصرة في المعنى والصورة.

والحقيقة , إنك لا تستطيع إنهاء قصيدة إلا ناداك فضولك إلى قراءة القصيدة التي بعدها , وذلك لأنه يفتح لك أبوابًا من المعاني والصور لا يُحسن فتحها إلا شاعر مطبوع ..

ولـقـد ظـنـنتُ ..ومــا ظـننتُ بـأنه
أقـسى عـليَّ مـن الـزمان وأظلمُ

ولقد حسبتُ وما حسبتُ لغفلتي
أن الـفـراق عـلى الـقلوب جـهنمُ

يـا من تركتَ القلب بعدك للأسى
نـهـبًا , فـكـم يـشقى وكـم يـتألّم

أكـذا نـسيتَ عـهودنا فـي لـحظةِ
وجـمـيـعَ مــا كـنّـا عـلـيه نُـقـسمُ

شعر أرق من الماء وألطف من النسيم مع أنه موجع مؤلم !

وحين يتكلم عن الوطن فإنه يؤلمك , ويقلب مواجعك ,ويستفز فيك عنصر المبادرة للتغيير :

يـا أيـها الـوطن الـمزنر بـالعيون الـكافرةْ
وبه يعيث الفاسدون السارقون جواهرهْ
الـوالـغون بـجـرحه .. والـمنكرون مـآثرهْ
المنتشون بدمعه .. الكاسرون خواطرهْ
وغـدا مـراحًا للضواري والطيورِ الكاسرةْ
أعداؤه نسجوا له ..جهرًا خيوطَ مؤامرةْ
الـمدّعون هـواك ..أكثرهم طيوفٌ عابرةْ

ويوجعك أكثر حين يمزج موضوعين وجدانيين في سبيكة واحدة ..
يخبرك أنه يحس باليأس حتى تحدثه نفسه بالانتحار
ولكنه حين يتذكر أمه  -أطال الله في عمرها – يرجع عن قراره ..

أفــكّـر بـالـتخلص مــن حـيـاتي
وأوشــــك أن أهـــمّ بـالانـتـحارِ

فـأذكـر دمـعةً فـي عـين أمـي
فأخجل .. ثم أرجع عن قراري !

ولكنه ينسى ذاته وآلامه الشخصية حين  يتحدث في موضوع له علاقة بوجدان الأمة فتراه ثائرًا يحمل في شعره مشعل الأمل والعزم والتحدي فيقول في أنشودة الأسير:

بـرغم الـجراح ورغم الأسى
ورغــم الـعذاب ورغـم الألـمْ

ورغــم الـطريق الـذي مـلؤه
صخورٌ , وتخفيه عني الظلَمْ

سـأنـشـدُ لـلـغـد أنــشـودةً
أشــدُّ بـهـا واهـنـاتِ الـهممْ

وحين يطرب للجمال فإنك تراه شاعرًا آخر , فيقول في قصيدة اسمها “باسكال” يتغنى فيها بجمال المغنيّة صوتًا و صورة:

قـيل صـفها ولا تـطل قـلتُ مهلًا
إنــكــم تـطـلـبون أمـــرًا مــحـالا

هــي فـوق الـكلام شـعرًا ونـثرًا
لـــو أرادا وصــفًـا لــضـلّ ضــلالا

لو أطالَ الآجالَ في الكون شيءٌ
لأطـــالـــت بــصـوتـهـا الآجـــــالا

بعدُ نظر في الوصف , سببها نشوةٌ وصلت حدَّ الثمالة !

وإذا تحدّث عن الوطن رأيت الموسيقى تجري كجدول عذب في حديقة ورأيت الحرفية العالية في فن الشعر :

الـدهـرُ يـهـرم والـزمـان يـشـيبُ
وشــبـابُ أردنِّ الـفـخارِ قـشـيبُ

هذا الحمى غالٍ على قلبي وما
عندي سوى هذا الحبيبِ حبيبُ

هـــو جــنـة الـدنـيا فـمـا إلا بــه
تـحـلو الـحـياة بـمـقلتي وتـطيبُ

يختم يعقوب ديوانه الثرّ ببيتين غزليين من الروائع , يعطف فيهما على ذكر يوسف ويعقوب عليهما السلام , وكأنه لا يريد أن يتركك إلا ويترك عندك ذلك الأثر المتجذر في شخصيته البسيطة المعقدة ,,, الحزن !!!

إن كنتَ يوسفَ في الجمال فإنني
, حــزنًـا وقــد فـارقـتني , يـعـقوبُ

فـمـتى تـعـودُ لأبـصر الـدنيا ؟ فـما
أبــصـرت بـعـدك أيـهـا الـمـحبوبُ !

هذا بعض من شخصية هذا الجبل الشعري الشامخ
هذا بعض من جوانب شخصية يعقوب الشعرية
هذا بعض من جوانب شخصية شيخ الشعراء المعاصرين .. سعيد يعقوب.

____________
محمد البياسي
20-03-2014

تعليقات الفيسبوك