دراسة في ديوان “أفاويق” للشاعر محمد سمحان: للدكتور عزمي الصالحي

19 أكتوبر, 2014
الوسوم :

1010147_721363417939888_1643249538149376499_n

أ.د. عزمي الصالحي أستاذ الأدب العربي في جامعة جرش ليس هناك من متعة للاديب المثقف الذواقة، أحب إليه من سماع الشعر العذب.ومن ثم فليس بدعا ولا عجبا أن ينفرد الشعر، دون سائر فنون القول، بمزية الاستعادة. وقد يرجِّع المغني بصوته، ويعيده طواعية، ولكن يندر أن يستعيد المستمعون ما يطربون له. وليس ذلك إلا لما يمتلكه الشعر من مزية الإطراب الذي يصاحب المعاني والأفكار والأخيلة والصور، فليس هناك ما يمتلك من قوة التعبيرالواضح المصحوب بالإطراب كالشعر.

وبين أعذب ما أسمع وأقرا من قصيد شعر محمد سمحان لما تغمرني به حلاوته من نشوة مصدرها السلاسة والانسيابية والتدفق والعفوية، فهو أشبه بالماء العذب ينبثق من النبع ليختار مساربه على أديم الارض التي تستوعبه وتحتضنه ليجري على أديمها كيف يشاء. هكذا هو شعر محمد سمحان، بريئ من التعمد سليم من القسر. غير أنه ليس من اليسير وقوف المتلقي على سر ما يجد من متع، ومعرفة أسرار الانسيابية والعفوية والتدفق، وما يأسره من نشوة في قصيد محمد سمحان، مع ملاحظة أن نشوة السماع هذه تصرف جل المتلقين عن نشدان ما وراء المسموع الظاهر الحاضر من انسياب العذوبة وأسرار حلاوة الجرس. وكما أن للإبداع الفني أسراره، فإن للإبداع الشعري أسرارا خاصة بالغة الخفاء، وكما أن للشعراء شياطينهم يغرونهم بمتابعة أسرار تجليات الجمال، فإن لقصائدهم أسرارها وخفاياها. ومن ثم يصح القول إن غلالات من الغموض الشفيف تلف أطراف العملية الإبداعية ونتاجها.

فليست عبثا محاولة اختراق هذه الغلالات واستشفاف ما وراءها من مجريات العملية الإبداعية. وهذا من مهمة المتلقي الذواقة، ناهيك بمن يتصدى للعملية النقدية. وتشي المتابعة المتواصلة لكشف ما بالشعر السمحاني من متعة وسحر يورثان النشوة، بأن المعجم الشعري السمحاني بالغ الثراء بالغ الغنى، لأن الشاعريمتح من معين لغة الصفوة، والشعر اختيار الاختيار، ثم أن مصدر غنى المعجم الشعري السمحاني، يتصل بألفة الشاعر للتراث الشعري العربي، وتماهيه فيه، دون أن يتخلى عن نزعته المنطلقة إلى الحداثة والمعاصرة، وما تمدانه به من مفردات جديدة الدلالة، وتراكيب تجس نبض الجدة في حياة الناس، وهكذا تستمد حداثة سمحان نسغها من معين التراث لتصنع مزيجا بالغ الفرادة.

إن الشعر السمحاني مبني بدءا على عدة هذه اللغة فهي عماده الأول والأمثلة بيّنة الدلالة على هذه المزية كثيرة لا سيما في ديوان (أفاويق) الذي نذكر من إحدى قصائده الموسومة (يا سلط) هذه الأبيات على سبيل التمثيل

أو أنها من جنان الخلد قد هبطت // وازّيّــن الربض بالآرام والأسُدِ

تنبي عن البأس والأمجـــاد قلعتها // تحمي بهيبتها الأردن كالرّصدِ

يطلّ عرنينــــها العــــالي بعزّتـــها // من الخليل مجاليـها إلى صفّدِ

وكذلك:

وقد أتيـتك محمولاً على شجَني // وطعنة الخصم في روحي وفي كبِدي

وقد صدَعْتُ لداعٍ ظلّ يهتف بي // وقد ركِبْتُ جِمــال الصبــر والجَـــلَدِ

وكذلك:

وكم تحن لوصلٍ صوب لحمتها// كمـــــا يمــــور حنيـــــن الأم للـوَلَدِ

وهُم أقاموا على أشـــلائها دولاً // وكبّلوا الناس بالأصفــــاد والزّرَدِ

وشتَّـَـتَـتْــها بسوق الذّلِّ شــرذمةٌ // كسائم النــــوق لم تصدر ولم تَرِدِ

فمن تكن شهوة الأنفـــــــال غايته // تسر به الحرب من بدْرٍ إلى أُحُدِ

والقصيدة بأبياتها وتراكيبها وجملها الشعرية، بالغة الدلالة على تأثر الشاعر بالموروث الشعري القديم، وأنه أغنى معجمه الشعري من حصيلته، وليس من رصيد اللغة المغامرة. وموضوعات القصائد السمحانية وإن استلهمت مشكلات الراهن وأحداثه الساخنة وتعقيداته المتشابكة، تظل في تفصيلاتها وصورها ورؤاها وأمثلتها وتشبيهاتها المعاصرة، صدى تجاوب فيه همسات رياح الصحراء ونسيماتها المبتلة بندى صباحاتها وشذى عرارها:

والنَّجْوُ مبتدأ السحابِ إذا فشا // فكسا الربوع ببرقع الأنواءِ

أما النّجُـــــوهُ فللعيـــون مطلّةٌ // ما مثلها من طلّــة للرائي

وإذا ما قرأت قصيدة قاب قوسين:

قاب قوســــين أو أقل قليــــلا // كل حـــال مقدّر أن يحــولا

ثم: مدلج في الحياة تطلب خلــداً // ككسيحٍ يطارد المستحيلا

فستكون بإزاء لغة مقتطعة من حديث الأسلاف، فتتخايل صحراويتها مزية وليست عيبا في الشعر السمحاني، وفي الشعر العربي بعامة، فهي مرجعية هذا الشعر والرئة التي يتنفس منها، ثم أن الأدب بطبعه تقليدي لا بد له من جذور تمده بنسغ الحياة. وعلى الرغم من التطلع إلى الغد الجديد الذي ترهص به أفكار القصيدة السمحانية ومضامينها، تظل في التعبير عن هذا التطلع، متكئة على التراث تستوحي من بؤره النيرة ما يجسّد به هذه الأفكار والمعاني في جمل شعرية وصور فنية تنأى عن التقليد المصطنع لما يسمى تعسفا بترويض اللغة وتطويعها لمقتضيات المجاز ودواعي الانزياح.

وهناك أمثلة من قصائد الشاعر يتجلى فيها الانتماء إلى روح الصحراء وظلال الأمجاد المؤثلة. وإذ ينهل الشاعر من هذا المعين اللغوي الثر،فإن ذلك يمكنه من امتلاك السطوة على اللغة ومواضعاتها التي تؤهله للعب بها والتحليق بانزياحاتها إلى ما وراء مديات المجاز، والإبعاد في آفاق الخيال. غير أن تمكنه من التفنن في التعبير عن أفكاره ومعانيه بكفاية ودقة بالغتين وتصوير ما يخامر مخيلته من رؤى وأخيلة جعله يؤثر فصاحة التعبير وصحته على غرابة التصوير وإغراقه في الغموض . لذا توارت عن مشاهد قصائده الانزياحات المغربة والمجازات المحلقة بعيدا وراء المألوف.

وربما يقال إن الصورة من أهم عناصر بناء القصيدة، ومن ثم ينبغي لقصيدة الشاعر المجيد أن تكون مكتنزة بالصور، وهذا صحيح. لكن انطلاقا من أوجز تعريف مقبول للصورة من أنها رسم بالكلمات، نجد أن هذا الرسم موضع إشكال. فهناك من يرسم بأسلوب سوريالي أو دادائي أو تكعيبي دون أن يلمَّ برؤى هذه المدارس وأهدافها، ودون أن يكون قد مر بمراحل التجريب والتدريب انتهى منها ألى ضرورة أن ينهج نهج التكعيبيين والسورياليين على نحو ما يجري اليوم من ظهور فنان أو مدّعٍ للفن يقحم عالمه الفني بعدّة قوامها التغريبوالعجائبية، دون أن يكون له سابق ألفة أو معرفة أو تجريب بمقتضيات الإبداع الفني القائمة أصلا على أصول الفن وقواعده والانطلاق منها إذا ضاقت عن استيعاب موهبته. ولعل هذا نفسه سر ما يغلف صور بعض الشعراء من إعتام وقتامة غموض ولا منطقية. والأمر مشهود وبوضوح في حقل الأدب، فهناك من يكتب قصيدة النثر مدعيا أنها أكثر طواعية لرؤاه وأكثر استيعابا للمفاهيم التي يريد أن يعبر عنها وأن الوزن الشعري والقافية يعيقان تدفق أفكاره ويقيدان رؤاه هذا دون أن يعرف الوزن الشعري، أو يجرب كتابة القصيدة التي يدعي أنها تأسر إبداعه، لكنه يعرف كيف يتذرع بالشعرية ويستغلها لتسويغ فشو قصيدة النثر. ومحمد سمحان كما يتضح من شعره، مر بالتجربة الشعرية من مبتدئها وحتى آخر أشواطها، وألمَّ بمقتضيات الإبداع الشعري. فضلا عن أنه يملك الموهبة الشعرية بدءا.

ومن ثم فإن إبداعه الشعري حصيلة نضج مكتمل يستند إلى مرجعية لغوية أدبية شعرية غنية تؤهل لهذا التدفق الصافي المعجب، فلا غرابة أن ينأى شعره من سريالية الرسم وتكعيبية الصورة. ولعل من أسرار عذوبة الشعر السمحاني الأخرى التي تستهوي المتلقي ما يشيع في لغته الشعرية من انزياح عفوي غير متعمد ولا مقصود يمكن أن يعد أحد أعمدة بنائه اللغوي، والانزياح في لغة محمد سمحان الشعرية على أنماط، يمكن أن ترصد منها ثلاثة كثيرة التردد، وهي الانزياح الاستنادي والانزياح الوصفي والانزياح الإضافي، وهذه التسميات أو المصطلحات ، من مرتجلات هذه الدراسة.

فلو تأملنا في الأبيات التالية لرأينا فيها عبارات انزياحية من النمط الإضافي:

فعليك يا دار النشامى ما همى // غيــث القريض تحيـــة الشـــعراءِ

القابضين على زمام حروفـــهم // كالقابضين على لظى الرمضــاء

والناظرين إلى ثرى أجــــدادهم // في الأســـر بين براثن الأعــداء

والسائلين إلى متى نحيـــــا على // امل الخلاص ولات حين رجاء

والعبارات هي ( غيث القريض) و( زمام حروفهم) و(لظى الرمضاء)و( براثن الأعداء) و(أمل الخلاص). واللافت أن المتلقي لا يكاد يحس بوجود هذه المجازات التي تشكل المحاور التي تدور حولها معاني العبارات الشعرية. وكان الأداء تم بالسويّة اللغوية المعتادة في المجاز بعض أسرار جمال الأداء. ففي هذه العبارات الشعرية تتوافر صحة الاستعارة المجازية والنأي عن المبالغة والقسر والتعمد. ويضم البيت الآتي من القصيدة نفسها انزياحا استناديا إلى جانب الانزياح الإضافي:

كَفْرنجة القربى أطلي وانظري // ما حل في قومي من البلواءِ

أما الانزياح الاستنادي ففي ( كفرنجة.. أطلي وانظري) وأما الاضافي ففي ( كفرنجة القربى).” ونجد انزياحا اسناديا في قول الشاعر:

أو من يؤج في القلوب ضغائنا // من داحس الأعراب والغبراءِ

والانزياح الاسنادي قوله ( يؤجج في القلوب) أما الانزياح الوصفي فنجده في قول الشاعر:

أرأيت نصرا في الحياة مؤزرا // يأتي لصاحبه بغير صعابِ

ومثله الانزياح الوصفي في قوله:

هل يكتب التاريخ إلا ضيغم // يزجي الجيوش بعزمه الوثابِ

ولا شك في أن هذه اللغة الانزياحية التي تنساب في جل القصائد السمحانية دون تعمد تشكل رافدا جماليا منح لغة الشاعرحيويتها وحركتها وعذوبتها وسر غنائيتها. أما الجمل الانزياحية وليس العبارات فهي منبع شعرية القصيدة السمحانية، إذ هي الرافد الذي تستقي منه صورها. ذلك أنه لا صورة دون مجاز، ويستحيل تشكل الصور إلا من خلاله. ومن ثم فإن هذه الجمل هي إحدى أهم عناصر بناء لغة الشاعر، وأهم مظاهر مسحتها الجمالية.

وتستمد القصيدة السمحانية طراوتها وطلاوتها وامتلاكها عناصر التشويق والإمتاع من البعد التاريخي لمعانيها وأفكارها ورؤاها، لذا تشكل الرموز والأحداث والوقائع التاريخية عنصر بناء مهما في تعابير هذه القصيدة كما تمثل عامل شد لذاكرة المتلقي العربي لتعلقه بالرمز التاريخي. هذا التوظيف البارع لمعطيات التأريخ بوقائعه وأحداثه البارزة لم يكن ليتم على هذ النحو لو لم يكن الشاعر محمد سمحان على وعي عميق بأحداث التاريخ المهمة وإلمام بمجريات حقب التاريخ العربي والفلسطيني بخاصة، مع إحاطته بشؤون الممالك والإمبراطوريات التي كان للمنطقة العربية ألفة لوجودها فيها…. أصحاب دول أو غزاة أو ممن كتب لهم التحرير على أيدي العرب. ولا يقتصر أثر وظيفة الرمز التاريخي والأحداث والوقائع التاريخية على منح المعنى والفكرة والرؤية عمقها التاريخي والمعنوي، بل يتجاوز ذلك إلى الإسهام في تطور بناء موضوع القصيدة. وفي سياق ما يتمتع به شعر محمد سمحان من خاصة الإمتاع والإثارة والتشويق، لا بد من الأشارة إلى ملاحظة تتصل بموضوعة عناصر الإمتاع هذه، واعتقاد بعض المتلقين أن الحديث كان ينبغي له أن ينصب على جماليات الصوت أو الموسيقى الداخلية في شعر الشاعر، أو أن يُبدأ بهذ الجانب من شعره في الأقل.

وهذه ملاحظة تغفل الهدف من وراء هذه الدراية وهو السعي إلى البحث في ظاهرة العذوبة واللذة والغنائية في الشعر السمحاني، وهو يعرض الفكرة ويعبر عن المعنى ويشكل الصور التي توحي بالرؤيا، ويقدم التجربة الذاتية التي تسعى القصيدة إلى التعبير عنها، وليس الهدف دراسة جماليات الأداء بعيدا عن صلته بالمضامين والمفاهيم والمشاعر والعواطف فضلا عن أن الشكل لا ينفصل بحال عن المضمون. ووضوح الفكرة والخاطرة والمعنى في الذهن يسر التعبير عنها، فمتى وضحت هذه الموضوعات في ذهن المفكر انسابت التعابير والتراكيب والجمل لكي تظهر إلى الوجود المنطوق أو المكتوب رهوا، إنها كعملية الولادة اليسيرة. أما الذهن المشوش المضطرب الفكرة فلا يلدها إلا مشوشة ومشوهة. وأفكار شاعرنا ومعانيه وخواطره أشبه صفاء بالنبع البكر. ومن ثم فهي تنساب زلالا رائقا، فكيف لا يلذ في السمع فتطرب له الروح. وشعر (أفاويق) أمثولة حميدة لصفاء أفكاره ومعانيه، ولا سيما قصيدة (رسالة إلى الله) التي ذهب فيها الشاعر إلى ربه يشكو حاله وسوء ما يلقى ، فماذا يتوقع المتلقي أن يكون عليه خطاب الشاعر الشاكي،. لقد استعان الشاعر في شكواه بلغة التداول اليومي في أنساقها المعروفة، لما فيها من الصدق والعاطفية والتلقائية التي التي يحتاج إليها هذا الخطاب.

فلا عجب أن تجد تعابير قريبة من لغة الخطاب اليومي المتداولة أمثال قوله: (أرتني أنجم الظهر)، و(انحنى ظهري)و( كي أبتدي من أول السطر)و( يا ليتني أدري)وما إلى ذلك.

بوابة السبعيـــن مشــرعة // فإلى متى يا ليــــــــتني أدري

دنيا اسـتبدت بي مسـاوؤها // حتى أرتني أنـــــــجم الظهر

ألقت علي حمــــول شـــدتها// وتفردت بي فانحنى ظهري

وخطاي تخذلني فترجـــع بي // كي أبتدي من أول السطر

مع ملاحظة أن لغة التداول اليومي لم تثلم الشعرية الفنية العالية للأداء الشعري السمحاني، فظلت القصيدة مثلا حياً لشعر الشكوى المحمل بالرقة والعاطفية وحلاوة النسيج. ولما يُنبث في هذه اللغة من مفردات وجمل وتعابير من صدق عاطفي نجدها تعلو وتتكيف فنيا لتشكل صورة مركبة يكتنفها الصدق الفني إلى جانب ما يعتورها من صدق عاطفي على هذا النحو:

ما بـــال حظي ليس يسعفني // ويعود من خســـر إلى خسرِ

أهي السماء هوت بما حمـلت // وتكومت كسفا على صدري

ومثل هذه الرائعة( قصيدة محمد حبيب الله) في رقة لفظها وشفافية نسيجها وانسياب معانيها، فهي مصنوعة لمناجاة الحبيب ومطوعة الأداء لبلوغ التواصل الروحي والفني مع المثل الأعلى. جرى الحديث منذ بدئه عن إغراء الشعر السمحاني للمتلقي واستحواذه على مشاعره بما يملكه من عناصر التشويق والإمتاع كالعفوية والعذوبة والتدفق، ووقف الحديث غير قليل وقفة تمثيل واستشهاد وبسط أدلة لتاكيد أحكامه، حتى خيل للمتلقين أن هذا الشعر جدول شديد التدفق سريعه ومن ثم فانه ليس في وسعه التريث أو التباطؤ للتأمل والتطلع إلى شاطئيه لرؤية ما خلفته مياهه التي سبغته من رياض تزهر بالورود والأقاحي، وتحفل بجنيّ الثمار، فأنّى له إذا أن يرسم صورة أو يصور مشهدا أو يستوحي فكرة محملة بالعمق أو أن يبدع في خلقٍ فني متميز.

غير أن الأمر ليس على هذا النحو، فالشعر السمحاني لدى المتأمل يتشكل من لقطات منتقاة بعناية لا تصيبها إلا عين فنان يحسن الاصطياد ويبدع في الانتقاء لما يوشي به عمله الفني. وتنفي عن هذا الانطباع شبهة المجاملة والمصانعة قصيدة (أزف الرحيل) وحدها، فقوام بنيتها تشكيل صوري مشغول بحذق فنان، موشى بأنامل وشاء، وعدة القصيدة واحد وثلاثون بيتا ليس بينها ما لا يحتضن صورة فنية، قد تكون أحيانا مركبة مؤلفة من صور جزئية عدة، فنحن بإزاء معرض صورشعرية، أو بإزاء ( القصيدة الصورة).

ومن بين أساليب افتنان الشاعر بناء هذه الصور على وفق ما يصطلح عليه بالبنى المتحركة. ومن آلياتها البينة الظهور وتقاناتها ما تعورف عليه بالثنائية الضدية التي تنقسم بموجبها معاني القصيدة على فئتين متقابلتين أو متضادتين من الفكر والأخيلة والرؤى والمضامين، ما يزيد المعنى توكيدا، وذائقة المتلقي حفزا وذهنه تأملا. ثم أن الثنائية الضدية مقولة ذات جذر فلسفي تسللت إلى الأدبيات النقدية، ويعود الاهتمام بها إلى فكرة أن التضاد سمة الوجود، وهو أساس التقابل في اللغة، فالوجود في مشاقَّة مع ذاته، والتناقض جوهره والتغيير قانونه الذي يجري عليه في تحققه، كما يقول بعض المشتغلين في الفلسفة، فهناك الليل والنهار والموت والحياة والنور والظلام.

ومن ثم فنحن لسنا أمام جدول صاف ماض في التدفق دون أن يُعنى بما في شاطئيه من رياض عبقة ومن مغاني الطبيعة والوجود. لنقرأ من مستهل القصيده:

رحلت بك الستون صوب قفارها // ورمت بعمرك في غيـــــاهب غارها

مزق من الأعــــوام بدد عقـــــدها // عصــف الخريـــف مطوّحا بنثارها

ولهـــت بك الأيــــام حتى خلـــــتها // باللهــــو توصــــل ليــلها بنهـارها

ولكم رشفـــت الشـــهد من راحــاتها // فاشرب على هون سموم مرارها

وتضم جماليات التصوير الفني هذه في تضاعيفها أسئلة ملحاحة تتجمع لتصب في بؤرة القلق الوجودي الذي لا يجد جوابا، لماذا جئنا إذا كنا سنذهب ولم نذهب وإلى أين في تساؤل شاعر يعشق الحياة ويفزع من فكرة غروبها:

موت قبيل الموت تعلن زحفه // نفس تواري العجز خلف وقارها

وليس معنى ذلك غير أن هناك تزامنا وتلازما بين التوتر العاطفي الانفعالي والتحليق الفني المدهش. فالصورة في الفن السمحاني تليق بالعاطفة الملتاعة المتأججة، وتليق بالفكرة بعيدة الغور أي أن هناك تلازما وتزامنا بين الإبداع الفني والتدفق العاطفي. وتتجلى في (أفاويق) تاملات صوفية شفافة محمولة بلغة صحراوية الأرومة، معمدة بطهر الإيمان، محملة بعاطفية شاكية فتضيف عنصر إغراء وغواية يشدان إلى هذا الشعر، لذا فنحن بإزاء أغرودة صداحة أخاذة حد البكاء أحيانا.

10685573_721363637939866_7423532614326903655_n 10710986_721362171273346_6148611331752498373_n

تعليقات الفيسبوك