هي والبياسي – نارت حسن الشيخ

هي والبياسي

دراسة نقدية – نارت حسن الشيخ

(هي) الأنثى كانت القضية الأبرز في شعر كثير من شعراء الأقدمين والمحدثين ,هي التي لم يتوان الأدباء عن رسمها في معظم كتاباتهم وأشعارهم إذ كانت ملهمة الجميع بلا استثناء وقد لفتت انتباهنا في شعر الشاعر محمد البياسي إذ أخذت الحيز الأكبر في منشوراته الأخيرة و ربما القديمة و قد أدخلت بعض الشعراء والنقاد في حيرة من أمر الشاعر وأنثاه

كثرت النساء عنده فحار وحيرنا

عرفنا أنثاه بأسماء متعددة فتارة ميس التي كادت تتورط في حبه فبادر إلى تحذيرها  كما بدا في قوله

وكأنها يــــــــــا ويحها ستحبني
قولوا لها : يا ميسُ لا تتورطي
ما زلتِ واقفة على شطّ الهـوى
فتراجعي لا تدخلي ..لا تغلطي

وتارة أخرى اسمها نجلاء التي تبهر الطبيعة  بجمالها

نجلاءُ كانت
حين تُسبل شَـعرَها
.. تـصحو البدورُ
كـانت إذا ضـحكتْ ..
تـقومُ لـها
و تبتسمُ الزهورُ

وهي في مكان آخر جالا التي تضرب الامثال بحسنها

جالا ..
بربّك ..
أقصري يا جالا..
صرنا بحسنك 
نضرب الأمثـــالا

لا الشمسُ
في التشبيه 
تنفع صورةً
لا لا ..
ولا القمر المنوّر… 
لا لا

وتخف حيرتنا عندما نراه يعترف بحيرته أمام عدة أسماء فمن لمياء إلى عفراء إلى إلى …

 ” أتُــراهــا تـحـبـنـي ” لـمـيـاءُ ؟
أم تُرى نجوى ؟ أم تُرى عفراءُ ؟
يَـعْلَقُ الـنجمُ الـقَيسليُّ بـعيني
والـنُجيـماتُ ..كلّهـنّ ســـــــــواءُ
دعـكَ مـمن مـرّتْ سحابةَ صيفٍ
إنّ لــونَ الـحـبِّ الـكـبيرِ ..شـتاءُ

وتراه أحيانا يبتعد عن ذكر اسمها فتكون مجهولة لدينا وهي رغم كثرة الأسماء وفي كل الحالات مجهولة

فمن هي هذه الحبيبة ؟؟

وهل يا ترى هذه الأسماء المتعددة تعود  لاسم واحد أراد الشاعر إخفاءه علينا وإبعاد ذهننا عن أية واحدة قريبة أو هي خطرات شاعر متنقل هنا وهناك في محفل شعري أشبه برياض غناءة

قد يكون تحديد الاسم صعبا علينا وغير مهم بقدر محاولتنا فك اللغز عند الشاعر الذي مضى يقص لنا روايات حبه

إٌقباله تارة عليها وبعده عنها تارة أخرى بين ضعفه وقوته بين عناده وعجزه

فهو يظهر لنا هنا إقبال النساء عليه و اعتلائه عروش القلوب

لي عند كل مليحةٍ مـــثلُ الذي
لبني أميّةَ من بني العبــّــــاسِ
قد كان لي عرشٌ هناك ودولةٌ
ما كان أعظمَ دولةَ البيّـــــاسي وقد سبقه هذا الشاعر عمر بن أبي ربيعة ويبدو ذلك جليا ويمكن أن نلتقطه من خلال اعترافه بتتلمذه على يد عمر وإن كانت له شخصيته المستقلة التي تخط طريقها في مجال الشعر

إذ يقول: .( هذا الساحرعمر بن أبي ربيعة من أعظم شعراء العربية على الإطلاق
ولا أخفي أني تتلمذتُ على يديه وتأثرتُ به تأثرًا شديدًا قبل أن أبلغ العشرين , مع أبي نواس وامرئ القيس.)وأبرز ما يمكن أن نراه هو الظهور بمظهر المتمنع  حيث تحاول الانثى عنده لفت انتباهه إليها فيصدها وبعناد قد يؤلمها

ويحذرها كما مر معنا في تورط ميس بحبه

وهنا في تحذير جديد يخيرها بين الوقوع في شباكه عند مرورها برياضه أو النأي بعيدا عنه والسلامة 

إذا يـمـمـتِ زهــري فـاحـذريني
فلستُ أمِيزُ سُمّي من رحيقي
ولـو أُعـجبتِ مـن ضـوئي بوهجٍ
فــذاكِ إذا خـضعتِ لـه حـريقي
أنــا قـيـسٌ فـأُعـجبُ كـلَّ لـيلى
أنـا كـالنار فـي الـخشب العتيقِ
فـإمّـا شـئـتِ تـجـتنبين شــرِّي
وتـمتلكين مـن حـجري عقيقي
فـلا تـقعي بـقلبك في شباكي
ولا تُـلقي بنفسك في عميقي

ولكنه أحيانا تفوز به بعد استدراجه فيحاول مجددا تحذيرها والتخلص من شباكها عبر تخويفها من الوقوع في حماه

ويلَها استدرجتكَ ..يا ليت تدري
أيّ لـيث هـذا الذي في حِماها
فـأنلْها مـا تـشتهي مـن عذابٍ
وأذقــهـا مــمـا أذقـتَ سـواهـا

ويعترف الشاعر البياسي بهذا ليزيدنا حيرة ولكنه لايتنازل لها ويدعوها لأن تفرح بفوزها به

وأخيرًا وقعتُ .. رغــــم احتراسي
فافرحي إذ قنصتِ صعبَ المراسِ
بعدما كان لونُ قلبي خريفًـــــــا
حرّك الحبُّ فيَّ خمسَ الحواسِ.

ويبدأ الشاعر رويدا رويدا بإظهار حبه واعتراف مبطن تارة وظاهر تارة أخرى فيبدأ هنا بتحديد حبية وحيدة يمنحها نصف قلبه فيقول:

 يـقـولون.. إنّ الـقـلبَ يـعشق مـرةً !
ولـكـنّ قـلـبي بـيـن عـشـرٍ .. تـوزّعا
لك النصفُ من قلبي .. ونصفٌ تركتُه
لـكل حِسان الأرض بعدكِ.. مُشرَعا

وأخيرا يعترف بحبه بل يمضي في وصف حالة هذا الهائم العاشق

ذكـرتُكِ فاشتعلتُ جوىً ونارا
وأنــــتِ بــعـيـدةٌ حــيًّــا ودارا
وحـبُّك يـا مليحةُ في فؤادي
كموج البحر ما استعلى وثارا

وقـبلَكِ مـا قـضيتُ الليلَ صبًّا
نــديَّ الـطـرف أنـتظرُ الـنهارا
ولا أرّقـتُ مـن سقمٍ طبيبًا
ولا أشـبهتُ بالدّلَه السكارى

ويحاول عبثا كتم سره خيفة العذال فيكشف المتربصون سره

عـبـثًـا أحـــاولُ أكـتـمُ الأســرارا
خــوفًـا ودفـــعَ وشــايـةٍ ووقــارا
لـكـنـمـا الــعـذّالُ كـــلٌّ نــاشـطٌ
بــشـبـاكـه يـتـصـيـدُ الأخــبــارا
والـحـاسدون إذا الـتـقينا خـفيةً
قطعوا المدى وتسلقوا الأسوارا
والـذنـب ذنـبـي أنـنـي نـبّـهتهم ..
لـهـفُ الـمـحبِّ يـمزّق الأسـتارا

ولكنه في مكان آخر يدعوها إلى كشف حبها له لأن الأمر ماعاد بخاف على العذال

قولي أحبُّكَ ..
لا تخافي ..
ما عاد حبّك لي ..
بخافِ !
غِيظَ العذولُ
فكان ما أعلنتِ
ثالثةَ الأثافي
ولكننا قليلا مانراه المسكين الذي يطلب الفوز بودها ويحزن لرحيلها كما بدا في هذه الأبيات وهو يحاول مجددا تحديها بقدرته على التصبر والاحتمال

ارحـلي عـني و اتـركيني وشـأني
جُــلُّ مــا أبـغـي أن أكــون وحـيدا
اتركيني وحدي سأنسى همومي
و سـأرمي الـماضي الـثقيلَ بعيدا
ذكـريـاتي الـعـجافُ تُـحـتضر الـيوم
… و مـــــــا لا أرى أراه و لـــــيــــدا
سـتـكـون الأيـــام بــعـدك أحـلـى
و غـدي الآتـي سـوف يصبح عيدا
يـسكن الـحزن فـي مـغارات قلبي

فـــإذا مـــا خــرجـتِ صــار سـعـيدا

ونراه المسكين المتوجع والذي ترده الحبيبة بقسوة

يــــا عَــفّـةَ جـلـبـابٍ نــضِـرٍ
يُـقـصـيني عـنـكِ ويُـدنـيني
بالله أجــيــبـي مـسـكـيـنًـا
مـــا أوجـــعَ ردَّ الـمـسـكينِ
وأزيــلـي بــعـضَ مـواجـعـه
مــن بـعـد الـقـسوة بـاللينِ

بل إنه يبكيها وربما صار هنا شاعرا عذريا يكاد حبه يقتله

مَنْ سأبكي بعدها..
بالله مَنْ ؟
لمْ ولمّــا أنسَها
لا لا
ولنْ
بتُّ محمولًا
على نعش الأسى
حين ولّت
واختفتْ
أمُّ الحَسَنْ
ويشتكي شاعرنا من قلة صبره وعدم قدرته على فراقها بل تبدو الانثى هنا المعاندة والمكابرة  وهنا وإن أبى أو غضب من هذا الوصف نراه أضعف مايكون أمامها ويمحو ماكان من عناد وتجبر فكلام النهار يمحوه ليل القصيدة

أنفقتُ جهدي..
والوسائلَ كلَّها
ما عدتُ أقدرُ عنكَ
أنْ أتصبّرا
يا من إذا أذللتُ نفسيَ
صدَّني..
ونما إلى عليائه
وتجَبّرا

ولكننا وللأسف لن نطيل فرحتنا بهذا الضعف الذي ننتظره لنراه أكثر تجلدا  قوة على ردعها وتحديها وهذه المرة بسبب كثرة الذنوب التي نفرته منها

تظنين أني
سأعصر غيمي
لأغسلَ عنكِ
الذنوبَ القديمةْ ؟!
وأني
سأغفرُ من كل قلبي
ولو كان ما كان
منها جريمةْ ؟!
بربّك
لا تستخفِّي بعقلي
فأعذارُك اليومَ عندي
عقيمةْ

والشاعر البياسي بنظرته الاستباقية توقع ألا يسلم من ألسنة العذال وأقلام الأدباء التي أظهرت حيرة الأديب في وصف حالة الشاعر فتراه هنا غير آبه بأي كلام يقال

. ليس مُهِمّــا
كلُّ الذي قالوه
ليس مُهِـمَّــــا ..!
كانتْ
وكان
وهلْ ..!
وكيف
ولــمَّــا ..!
كلُّ الذي قالوهُ
عُـقْـمٌ مُـزمـنٌ
وبقيتِ وحدكِ
في النهايةِ
أُمّـــا
كلُّ الذي قالوهُ
كنتُ لأجله ..
أعمىً
– على قدر الهوى -
وأصمّــا

لاحظنا إذاً تربع ضمير هي الأنثى على عرش كلمات البياسي شاء أم أبى ولكننا مازلنا ننتظر كشف مزيد من أسرار حالته لعل مزيدا من العقد تفك   فنكون أقل حيرة فيمن تكون أنثاه؟


دراسة : نارت حسن الشيخ

تعليقات الفيسبوك