فلسطين – غزة: صحيفة “فلسطين” تنشر أول كتاب ورقي للصحافية هديل عطا الله

سماح ضيف الله المزين

فلسطين

صحيفة “فلسطين” تنشر أول كتاب ورقي

تاريخ طويل بين دفتي كتاب

غزة – سماح المزين:

خريطة فلسطين المطرزة بالوجوه الخمسين والتي تنتصبُ شامخة على واجهته تنادي عينيك ولا مهرب، ستجد مغزى حقيقياً في لون الغلاف الفيروزيّ، واسم المؤلف، ووحدها كلمة “الحياة” في عنوانه تبدو قادرة على شدّ أبعد الناس عنها/ إليها.

وبينما أنت قارئ مثقف، يمكنه أن يلتقط المغزى من إحدى أيقونات الجذب السابقة كلما صادف كتاباً، فإن هذا بالضبط ما يمكن أن يتبلور في ذهنك حين تنوي الحديث عن كتاب: (حوارات في الفكر والحياة) الذي ثابرت الصحافية الفلسطينية/ هديل عوني عطا الله في إعداده حتى رأى النور بعد خمس سنوات من العمل الجاد، فكان كتاباً يستحق أن يُقرأ، وأن تلقى عليه الأضواء، تماماً كشخصيتها الجميلة التي تشدك حد الاستسلام لإجابة سؤالها دون أية مقاومة، لقد ترك فيّ لقائي – القصير نسبياً – بها انطباعاً جليلاً كأجمل ما يمكن أن تكون عليه شخصية فتاة غزية.

بصوت تحفّه الغبطة جاء تعبيرها بانتشاء واضح: “والدي طبيب وقارئ من الدرجة الأولى، لا أزال أذكر جيداً فرحته بأولى النسخ، لقد عرضها على جميع أصدقائه من الأطباء، ووالدتي ربة منزل وهي – بالمناسبة – ليست مهتمة بالقراءة كثيراً، أتعجب وأفرح حين أراها تمسك بالكتاب وتقرأ حكاياته بانسجام عجيب”

وهديل شابة مثقفة وقودها طموح وهدف، اجتماعية تحب التعرف إلى الناس واستفزاز مواطن الحكايا فيهم لتدونها وتخلدها في المكان الذي تستحقه، وهي جادة في سحب القضايا المهمة إلى ملتقى الأضواء، مؤمنة بقضيتها وأهدافها مكتظة بالمميزات، وراسية الخطوة متوجهة بثقة إلى أعالي طموحها.

ياسر البنا، صادفني هذا الاسم في أغلب أجندات ومذكرات الشباب الطامح في غزة، مرة يكون داعماً، ومحفزاً، ومرةً مانحاً فرصة ومساعداً.. أو “مُلهماً” كما تراه هديل عطا الله، لكنه خلف كل تلك المسميات التي يمنحها له من يعرفه ويقترب من شخصه هو إنسان بوجه جليّ، وصحافيّ ناجحٌ، أخبرتني هديل أنه كان أول من أشعل في عقلها شرارة الفكرة وكان متابعاً عن كثب للإرهاصات الأولى، وحين توجهت إليهِ بسؤالي عن السبب الذي جعله يفكر في هذه الزاوية ويختار هديل لتلك المهمة قال: “منذ لمعت الفكرة في عقلي تبنتها صحيفة فلسطين – التي كنت أعمل فيها وقتذاك – لتحتل مكانها في الصحيفة تحت عنوان: (مذكراتي) على غرار برنامج: (شاهد على العصر) الذي تعرضه قناة الجزيرة، وزاوية: (يتذكر) في صحيفة الحياة اللندنية، ولأن هديل فتاة مجتهدة جاء اختياري لها لتكون المحاور الرئيس”

عشرات الشخصيات التي ما إن ذكر اسم إحداها إلا وطرق في النفس باباً لتاريخ لا يمكن إغفال أصغر تفاصيله، فكل اسم ألقت هديل الضوء على إحدى زوايا حياته، يستحق كتاباً منفرداً يأتي على قصة حياته بأكملها، لكنها جمّعت الأهم وربطته بملقط غاية في الذكاء والتحديد.

ويعد الكتاب في مجمله شواهد حية على حكايات وقصص فلسطينية أو عربية، يسردها 48 شخصاً من مثقفين، نشطاء، أدباء، فنانين، حقوقيين، سياسيين، رجال دين، مؤرخين، عسكريين، مقاومين وإعلاميين عز أن ينجبهم التاريخ مرتين، ومنهم مفيد فوزي، فهمي هويدي، حنين زعبي، سحر خليفة، إبراهيم نصر الله، أحمد قعبور، بيان الحوت، رائدة مشتهى، وليد سيف، محمد العريفي، وأحلام مستغانمي التي كانت هديل أول من وصل إليها من صحافيي قطاع غزة.

وبينما كانت تمسك الكتاب بين يديها كأغلى ما تملك وتضمه إليها وصفت لي محتوياته قائلة: “قسمتُ الكتاب إلى أربعة أقسام، أولها حوارات تاريخية، ثم قصص من الحياة الفلسطينية، يليها نماذج لشخصيات محلية ناجحة، وتختتم بتجارب عربية متميزة” وبامتنان من جديد أكدت على أن هذا الجهد لم يكن ليكتمل لولا فضل الله ثم مساعدة زملائها مضيفة “صدر الكتاب عن مطبعة دار الأرقم بغزة، وقد صبر وتحمل مخرجه هيثم أبو حشيش ليتألق برؤيتنا الإخراجية، حتى أنني أثقلت على من قاما بالمراجعة اللغوية فؤاد عطية وشيماء شحيبر، فلهم جميعا امتناني”

اسم آخر من الأسماء التي ابتسمت هديل ابتسامة رائقة بمجرد أن جاءت على ذكره، عماد الإفرنجي أحد أعضاء مجلس إدارة الصحيفة الذي وفر عليها الكثير من الجدل والنقاش على أمور كانت ترى أنها الأفضل، توجهت إليه بسؤالي: أي عمق يحمله هذا الكتاب لتدعمه؟ فقال: “سيكون هذا الكتاب تأريخا للوطن والقضية والشخص، ولأن الصحافة تعتبر جزءاً من بوتقة العمل الثقافي، كان باكورة أعمال الصحيفة تثميناً لدور الصحافية التي استطاعت توثيق الإحساس والتفاصيل كاملة بالرغم من أنها كانت تجري حواراتها عبر الهاتف”

في إحدى رسائله إلى كاتب شاب نصحه الكاتب الأمريكي (وليام سارويان) قائلاً: “أريدك ألا تشعر بأنك مدين بشيء لأحد” وعلى الرغم من إيماني الشديد بتلك المقولة رأيتني أنجذب بشدة للامتنان الجميل في عيونها حين راحت تسرد عليّ أسماء الذين شاركوها إعداد الكتاب، وبذلوا معها جهداً وفكراً حتى خرج إلى النور، لكن بعض الأسماء كان ذكرها لامعاً للدرجة التي جعلتني أتوجه إليهم لأفهم مدى أهمية الكتاب، وعمقه.

الفنان اليمني شهاب المقرمي محترف بورتريه، قام برسم ثلاثة آلاف وجه لشخصيات عالمية وعربية ذات أثر وحضور، معتمداً على اختصار الأحداث والمواقف في الملامح، لمست تركيزه الشديد وإيجازه المقنع من حديث لم يمتد لأكثر من نصف ساعة، فالمقرمي هو من رسم لوحة الغلاف الأمامي للكتاب، وعبر لي عن فكرة اللوحة: الوجه (البورتريه) هو عنوان الانسان ومختصر لسيرته الذاتية، لذلك بقليل من التمعن يجد المتلقي أو المشاهد تفاصيل حياة صاحب الوجه” وحيث ذاك فقد جاءت فكرة اللوحة وتم الاتفاق عليها مع هديل التي وبامتنان شديد أخبرتني: “لقد بذل الفنان شهاب مجهوداً كبيراً، وقد أثقلت عليه كثيراً، لكنه كان صبوراً، راقياً، متعاوناً ومعطاءً”

وعلى الضفة الأخرى كان يحمل ذات المشاعر، سعيداً بمشاركته وجواداً بالكلمة الطيبة، سألته عن سر تلك الروح الكبيرة المتواضعة فقال: “التعامل الحسن هو الأصل في التعامل بين البشر، وكون الكاتبة فلسطينية فذلك مدعاة لمزيد من حسن التعامل، وشرف كبير لي أن شاركت في هذا الكتاب مما زادني خبرة ومعرفة إضافية، وبالرغم من حذف توقيعي عن اللوحة فأنا راض جداً وأرجو أن تصلني نسخة منه

لم يقل أحد أن فرحة تلك الفتاة – مثلاً – كانت هدف دعمه، لكنها القضية، والإيمان بالموهبة، تلك الكلمات التي كانت تدعم هديل دون أن يدري أصحابها، لكن هذا النجاح كان لا بد من عين ترصد له ولو غلطة واحدة، أخبرتني هديل وهي تتألم عن بعض العقبات التي اجتازها فريق عمل الكتاب لكنني لمست أكثر الانتقادات تأثيراً، حين همست بألم: “البعض يتهمني لأن بضع شخصيات من التي أجريت معها حواراتي انتقلت بعدها إلى جوار الله، وهذا أمر محزن لكنني سعيدة بالأثر الذي تركه هؤلاء وكان لي شرف توثيقه”

ولكن سرعان ما زال هذا الألم من عينيها حين التمعتا شاكرتين للمؤرخة الفلسطينية بيان الحوت إحدى الشخصيات التي حاورتها هديل والتي تحدثت بانفعال معها عبر الهاتف بعد إصدار الكتاب، شاكرة لها ذلك التألق ومباركة ومهنئة وداعمة، وليس عبر حديث جانبي وحسب بل حتى بكلمة مسجلة عرضت خلال حفل الإطلاق، تقول هديل معقبة على ما قدمته لها الحوت من دعم: “يمكنكِ أن تميزي من يطري عليك لمجرد المجاملة، ومن يطري عليك لأنه آمن فعلاً بما قدمتِ”

لقد كانت الخطوة الأولى من نوعها لصحيفة “فلسطين” اليومية التي تصدر في غزة وتعتبر ناشئة إلى حد ما؛ أن تحتفي بكتاب يجمع عشرات الحوارات المهمة التي أجرتها هديل مع عدة شخصيات عربية فرّق بينها الانتماء، والعرق، والدين، والفكر، وجمعتها العروبة في بوتقة واحدة، وكلمة السر (فلسطين القضية) التي يجهر بها السياسيُّ مدافعاً عنها فوق أي منبر، ويدونها الكاتبُ عنواناً لأية مغامرة قادمة في انتزاع حق ما، يغنيها الفنان في نوتة لا تليق إلا بها، ويرسمها الفنان لوحة معجزة، بينما تجئ في الكتب أيقونة ثورة متجددة الشحن، وفي الأغاني موالاً منكسرة فيه بحة الأصوات، وفي الذاكرة زيتونة أصلها العزة ورأسها الشموخ وانتماؤها أبعد نقطة شرفٍ في سابع سماء.

 سماح ضيف الله المزين

أديبة وإعلامية - قطاع غزة

10296693_10203098774137601_1578263947298565219_n IMG_0847 view_1398678566 view_1398678571 view_1398678577 مع مجلس الادارة وأبي بجانبي

تعليقات الفيسبوك