فلسطين: تقرير عن الكاتبة الدكتورة عبلة فواز إبراهيم الفاري

سوسنة داوودي

فلسطين

الاسم .. عبلة فواز ابراهيم الفاري

961110_331152970365997_1492911438_n
مواليد جنين لأسرة لاجئة من المنسي حيفا
التعليم .. الابتدائي والاعدادي في مدرسة وكالة الغوثفي عرابة
التعليم الثانوي . العلمي في مدرسة بنات جنين الثانوية
تحصلت على الدكتوراه في الطب من الجامعة الفرنسيية في تونس عام2004م
عضو نقابة الأطباء في فلسطين منذ العام 2005م
تعمل في وزارة الصحة فرع جنين
نشرت العديد من القصص والنصوص في الصحافة العربية والاجنبية باللغات العربية والانجليزية والفرنسية
حائرة على جائزة ولاية صفاقس للقصص القصيرة عام 1994م
حائرة على جائزة لجنة التحكيم بالملتقي الوطني للادباء الشباب في تونس عانم 1997م
حائرة على جائزة الابداع الأدبي للأدباء الشباب في تونس عام 2000م
كتابة نص مسرحية … حياة مذاقها السكر.
خشبة مسرح الحرية في مخيم جنين عام 2008م
اشتركت وشاركت في العديد من الفعاليات الثقافية داخل الوطن ..

اصدرت مجموعة قصصية مجنون حيفا
اخترت لكم من هذه المجموعة قصة بعنوان

الطيف

تمر أمامي كطيف سرعان ما تلتهمه العتمة أو كلمع البرق يذوب بين السحاب، تطل بلمح البصر كعروس البحر ليخفيها بياض الموج وتصبح حكاية يتسامرها البحارة في ليالي تموز المقمرة أو

بخفقان نسمة تتسرب بين أوراق اللوز لا تترك أيّ لمسات سوى بعض التموجات بين آخر الأوراق الخضراء التي عبرتها .

لست شاعرا يتغزل بعيون جميلته على أبواب عكاظ ولا بدويا يحاكي فتاته عند النبع ولا فلاحا مغبر السواعد يصرخ من أعماقه بموال شجي من بين بيادر السنابل في المرج .

بل هذا أنا من نفـس طبيعة الانتماء، أقصد من حوّاء، ما لاحقتها أبدا، لكنّه هـذا الـبائــس الـــشقي – قلمي – الذي لا يهوى سوى ملاحقة الموجوعين .

في إحدى المرات كنت واقفة في محطة الحافلات أتحدث بهاتفي الجوّال وإذا بها تنظر لي من وراء زجاج السيارة وقبل أن ألتفت صوبها كانت قد فرّت من أمامي كسرب حجل أفجعه الصياد، لم أتمكن من رؤية أيّ من ملامحها وكل ما بقي عالقا في ذاكرتي هو أناملها تمسك المقود هذه الأصابع التي لم تخلق إلاّ للتزين بالماس وملامسة ورود الصباح الندية وقطف الزنابق الحالمة في ضياء القمر…

أما المصادفة الثانية فكانت عندما أوقفت سيارتها وترجلت لتراقب طابور السيارات المتوقفة عند حاجز الجيش، ولم يبق عالقا من طيفها قبل أن تختفي لتذوب في المسافات عائدة أدراجها من حيث كان المجئ سوى لونها الأحمر الأقرب الى الجلّنار…..هززت رأسي وابتسمت لهذا الطيف الذي ما إن ظهر حتى اختفى قبل أن أتمعن أيّ من ملامحه.

في إحدى المرات فكرت أن أدعوها لنشرب قهوتي المرّة في ظلال شجرة الكرز على إيقاع اليمام لكي أتأمل ملامحها بكل التفاصيل وأمعن في الرسومات التي تفننت الأيام بزجها على جبينها و خديها ووجنتها وأحلّ كل لغز حبكه الدهر وطرّزته سود الليالي وبيضها ونسجه الزمن بخيوط العنكبوت وأسلاك الشوك على جدران روحها.

في مرّة أخرى فكرت بالسير بنفس المكان الذي اعتادت أن تمر به كل صباح وأصطدم بها لكن الفكرة سرعان ما تبخرت لأنها لم ترق لي، إذ أود التعرف إليها وأحادثها وأقرأ ملامحها وقسماتها على طريقة “هيجل” وأسمع صوتها إيقاعا وصدى، تحاكيني لأرصد انفعالاتها وحركاتها وأبحر في دهاليز ما زجّه الزمن طوعا وكراهية على أرصفة دربها وما جنته عليها أيامها بحلوها ومرّها .

لن أذهب لسؤال إحدى جاراتها الثرثارات لتخبرني كل التفاصيل ما صغر منها وما عظم ما هو من وحي الحق أو نسج الخيال وتشييد الافتراء عن أبيها الذي كبّرها وأحسن تعليمها وتأديبها ثم استعبدها لتربي القاصرين من إخوتها وتدر له مالا كثيرا مسترسلا مدرارا يروّي جذورعطشه للمال التي ما أن أرتوت سرعان ما تجف ويشوب أرضها التشقق….الذي صلّى وصام وزار بيوت العبادة بكل الأماكن…. لكنه أحل الرق وأباح العبودية وأعاد الوئد من جديد…. ليحرّم كل ما أحلته الشرائع والديانات والنواميس للا نس والجان، للطير و الزرع و الشجر وكل ما د بّت به الحياة من مخلوقات البرّ والبحر……وكبر إخوتها وكبّروها قبلهم وتزوجوا خيرة بنات القرية وأكملوا ما سار عليه أبيهم مقسمين أن تظل رهن الوئد بين جدران الاسمنت الباردة رهينة على مذهب المعرّي وفضلوا موتها دون رؤيتها مع غريب يقتحم حماهم ويقاسمهم الفريسة التي حرّم عليها ما حرّم على بلابل الدوح ليحلل للطير من كل جنس ومنعوها ما أحلوه لأنفسهم و ما خلقت لأجله كل إناث الأرض وما نبضت به قلوب الأمهات في ضجيج النهار وهجوع الليل………

حين سأ لت أين يمكنني أن أجدها، أخبرني بعض شهود العيان أنهم شاهدوها تبني منزلا رائعا على طريقة العصافير تنسجه قشة فوق قشّة، وفي خزائنه تخبئ كل حكايات طفولتها وعلى جدرانه تعلق كل لحظة قست فيها على نفسها أو قسى عليها زمانها أو حياتها أو أعداؤها…وخلف أزهاره تحفظ قطرات الفرح التي دلفت بها ورود الصباح على كفيها المبللتين بالندى .

أدركت من كل هذا أنه عشها الذي خاطته بالطريقة التي أحبت ونسجته كما أوحى لها الخيا ل ليكون وطنها وحكاياتها وذكرياتها، يطفو فوقها حاضرها بكل ما فيه من عذوبة الفرح إلى مرارة الأسى، ليكون مملكتها الشاسعة الفسيحة الممتدة كخيوط الشمس في جميع الآفاق لتحلق كفراشة حالمة أو نحلة تلهو برحيق الأزهار أو طيرا مسحورا بشمس الغروب يراقص بأجنحته الرياح معلقا ما بين الأرض والسماء…..

عرفت كل هذه التفاصيل فقط في لحظات و أنا أقف عند الحارس بانتظارأن تفتح لي باب جنتها دون موعد مسق .

من بعيد جاء صوتها يسبقها كما توقعت وهي تسأل من؟ لأجيبها أنا، وبكل هدوء فتحت الباب لتراني و لتعرف من هذه الزائرة ذات الصوت الذي يزور مسامعها لأول مرّة، دعتني للدخول بارتباك، وأنا واقفة في مكاني أتأملها، فستانها الحريري الأبيض المزركش والمعرّق بالورود الحمراء والبنفسجية تماما كحلّة الأرض تتزين بالربيع، وجهها الأنثوي المستدير بلون الثلج، عيناها الخضراوتين الواسعتين كربيع نيسان، وفمها المرتسم كعنقود الكرز.

أطلت تـأملها، فستانها الوردي الأميري تارة ومعالم وجهها تارة أخرى…وردة جورية في جنّة فيحاء قست عليها أيامها و ضاقت بها أشجار حديقتها فبدأ الذبول بالتسلل لمساماتها وعروقها رغم جداول الماء الرقراقة من حولها ورغم الظلال والهواء والهدوء والضياء .

بقيت تنظر لي ممسكة بالباب والحيرة بادية على وجهها وكأنها تسألني دون كلمات عن غايتي وهي مدركة تماما أني لم أخطئ الباب ولم آت لطلب المساعدة كما اعتادت أن لا يدق بابها إلا المغرضون ، هذا أنا لم آت لزيارتك، بل قلمي ..!! جاء ليحل ضيفا في ديارك إنه لا يهذي إلاّ بحلو الكلمات وعذب الخواطر وطيب الحروف أو يصمت……

هذا قلمي يحاول دائما دون كلل محو الآلام و ترميم ما أفسدته عواصف الزمن وما جرفته الليالي وذرته الأيام في رماد براكينها وداسته الغفلات في طوايا النفس البشرية، يتغلغل في الأعماق يدق أبواب الروح المصفدة وينفض الغبار ويمحوالصدأ محاولا إضـاءة فانوس صغير يـهب نورا متواضعا في ظلمات دروب الـتائهـيـن ويحيي السـكون الموحش عند الذين حرمتهم أوقست عليهم أو تمادت في ظلمهم الحياة ويكون كالمنارة تهدي صوبها السفن الحالمة في برّ الأمان وكل الراحلين في مسارب الدنيا باحثين عن شاطئ حيث النجوم والموج والنوارس وموعد مع الفجر لتسطع الشمس وتبدد عتم الظلام مبشرة بالميلاد الجديد .

جئتك لنتحدث قليلا ولأخبرك أنّه ما زال في الدنيا شئ رائع رغم المرار المنعقد في حلوقنا منذ صرخات مولدنا الأولى، وأنه لدينا الكثير من الأشياء الجميلة الرائعة التي تستحق أن نحيا لأجلها.

ابتسمت لي ودعتني للدخول وبعد الحديث القليل إنسحبت صوب أحد مجاهيل المنزل، وبعد ذلك فاحت رائحة قهوتها الزكية من المطبخ لتملأ الأرجاء ….. وأنا أتامل المنزل الرائع و أردد في أعماقي .شكرا لك ربي !!! أنك خلقتني أكتب لأسعد الاخرين ….

ابتسمت وهي تقدم لي القهوة في الفنجان الملكي المزركش بزخارف على الطراز العثماني وهزّت رأسها مرددة بأسى كلمات تروي عذاب خمسين عاما …. كلهم ينتظرون موتي ورحيلي وأولهم إخوتي الذين كبرتهم، ابتسمت لها وقلت لا!!! ما أردت أن أوقظ شيئا فيها وحاولت أن أختصر الحديث بقدر ما إستطعت لكني لم أفلح وكأنها كانت تنتظرني منذ دهر ….هكذا كانت البداية الرائعة وكانت الحكاية أروع .

 دعبلة الفاري .حنين

تعليقات الفيسبوك